عاجل
30 ديسمبر 2025 على الساعة 10:57

نحو “أسياد الأعماق”… هل يطرق المغرب باب الغواصات الروسية أم يختار الرهان الأوروبي؟

البحر أنفو – 30/12/2025 نحو “أسياد الأعماق”… هل يطرق المغرب باب الغواصات الروسية أم يختار الرهان الأوروبي؟

في لحظة دقيقة من تحولات التوازنات البحرية الإقليمية، يفتح المغرب ملفًا بالغ الحساسية: الانتقال من قوة بحرية سطحية إلى فاعل يمتلك أدوات الردع تحت سطح البحر. خطوة لا تتعلق فقط باقتناء قطعة عسكرية متطورة، بل بإعادة رسم العقيدة البحرية للمملكة في محيط جيوسياسي يتسم بتسارع التسلح وتنامي رهانات السيطرة على الممرات الاستراتيجية.

تقارير دولية متخصصة، من بينها تحليل نشره موقع 19FortyFive، كشفت أن الرباط تدرس حاليًا عرضًا روسيًا يشمل اقتناء غواصتين من طراز Amur-1650، في وقت تتنافس فيه شركات أوروبية كبرى على الظفر بصفقة قد تكون الأهم في تاريخ البحرية الملكية المغربية.

الغواصة الروسية المعروضة ليست قطعة عادية. فـ“آمور-1650” تمثل النسخة التصديرية المطوّرة من برنامج “لادا”، وقد صُممت لتكون شبه صامتة في الأعماق، بفضل هندسة تقلّص البصمة الصوتية إلى مستويات تجعل اكتشافها تحديًا حقيقيًا لأنظمة الرصد الحديثة. بطول يقارب 66.8 مترًا، وإزاحة تصل إلى 1765 طنًا، تمثل هذه الغواصة قفزة نوعية مقارنة بغواصات الجيل السابق من فئة “كيلو”.

وتعتمد “آمور-1650” على مستوى عالٍ من الأتمتة يقلص عدد أفراد الطاقم، مع حمولة هجومية متعددة تشمل صواريخ كروز وطوربيدات من عيار 533 ملم، فضلًا عن قابليتها للتجهيز بنظام دفع مستقل عن الهواء (AIP)، ما يمنحها قدرة على البقاء تحت الماء لفترات طويلة دون الحاجة إلى الصعود، ويضعها—في بعض المهام—على مسافة تنافسية مع الغواصات النووية، ولكن بكلفة أقل.

غير أن البريق التقني لا يخلو من ظلال. فالغواصة الروسية، رغم مواصفاتها المتقدمة، لم تُسلَّم بعد لأي بحرية أجنبية، ما يجعل سجلها العملياتي شبه منعدم خارج الاختبارات. هذا المعطى يثير تساؤلات جوهرية حول الموثوقية، والاستعداد القتالي الفعلي، وقدرة المنظومة على الصمود في ظروف العمليات الحقيقية، بعيدًا عن كتالوجات العروض.

في الضفة الأخرى، تلوّح الخيارات الأوروبية بورقة الخبرة الميدانية. فالغواصات الأوروبية—الفرنسية أو الألمانية على وجه الخصوص—تحمل إرثًا عملياتيًا مثبتًا في المناورات والحروب، مدعومًا بسلاسل صيانة مستقرة، وشبكات دعم لوجستي طويلة الأمد، وضمانات تقنية تتجاوز مرحلة التسليم إلى عقود من التشغيل الآمن. وهو ما يجعلها، في الحسابات الباردة، خيارًا أقل مخاطرة لدولة تخطو أولى خطواتها في عالم الغواصات.

ولا يمكن فصل القرار التقني عن السياق الجيوسياسي. فالعقوبات الغربية المفروضة على موسكو تشكل عامل ضغط حقيقي، قد ينعكس على التمويل، والحصول على قطع الغيار، والتحديثات المستقبلية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتكنولوجيا عسكرية حساسة. وفي المقابل، يعكس النقاش الدائر داخل دوائر القرار المغربي توجهًا استراتيجيًا واضحًا: تنويع الشركاء وتفادي الارتهان لمصدر واحد، بما يضمن هامش مناورة سياسي وعسكري أوسع.

في المحصلة، يقف المغرب أمام مفترق طرق استراتيجي:
هل يغامر باقتناء غواصة روسية واعدة تقنيًا لكنها غير مختبرة ميدانيًا؟
أم يختار الحلول الأوروبية الأكثر كلفة، لكنها أكثر واقعية واستقرارًا، لتأمين دخوله الأول إلى نادي “أسياد الأعماق”؟

قرار لن يُحسم فقط بالأرقام والمواصفات، بل بميزان دقيق يزن الردع، والموثوقية، والاستقلالية الاستراتيجية في بحر لم يعد يحتمل الأخطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *