عاجل
10 يناير 2026 على الساعة 20:41

المحيطات تسجل رقما حراريا غير مسبوق… إنذار علمي جديد بتسارع اختلال النظام المناخي

البحر أنفو – 10/01/2026 المحيطات تسجل رقما حراريا غير مسبوق… إنذار علمي جديد بتسارع اختلال النظام المناخي متابعة:

لم تعد التحذيرات العلمية بشأن تغير المناخ مجرد توقعات نظرية، بل تحولت إلى معطيات رقمية دقيقة تعكس عمق التحولات الجارية داخل النظام المناخي للأرض، وفي مقدمتها ما يحدث في أعماق المحيطات. فقد كشف فريق دولي من العلماء أن سنة 2025 شهدت أعلى مستوى لامتصاص الحرارة من طرف المحيطات منذ بداية القياسات الحديثة في خمسينات القرن الماضي، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة الاحترار العالمي.

الدراسة، التي نشرت في مجلة Advances in Atmospheric Sciences، أفادت بأن الحرارة المتراكمة في المحيطات ارتفعت خلال عام واحد بنحو 23 زيتا غول، وهي كمية طاقة هائلة تعادل تقريبا مجموع الاستهلاك العالمي للطاقة الأولية على مدى أربعة عقود، ما يعكس الحجم غير المسبوق للطاقة المختزنة داخل النظام المناخي.

لماذا تعتبر حرارة المحيطات مؤشرا حاسما؟

على خلاف قياسات حرارة الهواء أو سطح البحر، يعتبر العلماء أن رصد حرارة أعماق المحيطات يوفر صورة أدق وأشمل عن حالة المناخ العالمي. فالمحيطات تمتص نحو 90 في المائة من الحرارة الزائدة الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة، ما يجعلها بمثابة “مخزن حراري” طويل الأمد.

وفي هذا السياق، أوضحت الباحثة كارينا فون شوكمان أن المحيطات تعمل كـ«ذاكرة حرارية» للمناخ، حيث تعكس التغيرات في أعماقها حجم الخلل المتراكم على مدى سنوات وعقود، وليس فقط التقلبات الظرفية قصيرة المدى.

شبكة رصد عالمية تكشف ما لا يُرى

واعتمدت الدراسة على بيانات جمعتها شبكة واسعة من الروبوتات العائمة، القادرة على قياس التغيرات الحرارية حتى عمق 2000 متر، إضافة إلى مصادر رصد أخرى، بمشاركة أكثر من 50 عالما من 31 مؤسسة بحثية دولية. هذا التطور التكنولوجي أتاح للعلماء لأول مرة تتبع دينامية امتصاص الحرارة في الطبقات العميقة للمحيطات بدقة غير مسبوقة.

كلفة بيئية تتجاوز حرارة المياه

ورغم الدور الوقائي الذي تلعبه المحيطات في كبح الارتفاع السريع لحرارة الغلاف الجوي، إلا أن هذا الامتصاص المتزايد للطاقة الحرارية يترتب عنه ثمن بيئي متصاعد. فارتفاع حرارة المحيطات يؤدي إلى زيادة رطوبة الغلاف الجوي، ما يخلق ظروفا مواتية لتكاثر الأعاصير المدارية، وهطول أمطار غزيرة، وحدوث ظواهر جوية أكثر عنفا واضطرابا.

كما تسهم حرارة المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار نتيجة تمدد المياه مع ارتفاع درجة حرارتها، وهو ما يهدد السواحل المنخفضة ويضاعف المخاطر التي تواجه المدن والتجمعات السكنية الساحلية حول العالم.

تفاوت جغرافي… لكن الاتجاه واحد

وأظهرت نتائج الدراسة أن وتيرة امتصاص الحرارة تختلف من منطقة إلى أخرى، حيث سجلت المحيطات الاستوائية، وجنوب الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، إضافة إلى المحيط الجنوبي، مستويات قياسية خلال عام 2025، مقارنة بمناطق بحرية أخرى.

ويأتي ذلك رغم تسجيل انخفاض طفيف في متوسط درجات حرارة سطح البحر خلال العام نفسه، وهو تراجع يفسره العلماء بالانتقال من ظاهرة “إل نينيو” القوية إلى ظروف قريبة من “لا نينيا”، المعروفة بتأثيرها المؤقت في تبريد سطح المحيطات. غير أن هذا الانخفاض لم يغير من حقيقة أن المعدل المسجل ظل ثالث أعلى مستوى في تاريخ الرصد.

مسار تصاعدي مقلق

على المدى البعيد، يجمع العلماء على أن الاتجاه العام لحرارة المحيطات يواصل مساره التصاعدي، مدفوعا بالارتفاع المستمر في تركيز غازات الدفيئة، الناتج أساسا عن حرق الوقود الأحفوري والأنشطة الصناعية البشرية. وتحذر فون شوكمان من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى مزيد من الاحترار البحري وارتفاع مستوى البحار، بما يحمله ذلك من تحديات بيئية واقتصادية واجتماعية جسيمة.

في المحصلة، تكشف هذه النتائج أن معركة المناخ لا تُقاس فقط بما نشعر به على اليابسة، بل بما تختزنه أعماق المحيطات بصمت، في انتظار أن يتحول هذا الخلل المتراكم إلى تداعيات أكثر حدة على كوكب يزداد سخونة سنة بعد أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *