عاجل
10 يناير 2026 على الساعة 23:36

«البحر من بعيد»…رحلة الهجرة بين الحرية والهوية في السينما المغربية

البحر أنفو – 10/01/2026 يستعد الفيلم السينمائي الجديد «البحر من بعيد» للمخرج سعيد حميش لدخول القاعات المغربية وهو محمّل بأسئلة ثقيلة تتجاوز الحكاية الفردية لشاب مهاجر، لتلامس جوهر علاقة الإنسان بالحرية، والهوية، والمنفى. فالعمل لا يقدّم مجرد قصة هجرة غير نظامية، بل ينسج سرداً بصرياً عن الاغتراب الداخلي الذي يرافق الجسد والعاطفة حين يجد الإنسان نفسه خارج سياقه الاجتماعي والثقافي.

يضع الفيلم في مركزه شخصية نور، شاب مغربي في السابعة والعشرين من عمره، يصل خلسة إلى مدينة مارسيليا في تسعينيات القرن الماضي، حاملاً حلماً بسيطاً في ظاهره: حياة كريمة وفرصة للانتماء. غير أن البحر، الذي يفصل بين الضفتين، لا يكون مجرد مسافة جغرافية، بل يتحول إلى حدٍّ فاصل بين عالمين، وإلى رمز دائم للتردد، والخسارة، والبحث المستمر عن الذات.

في هذا العمل، لا تُصوَّر الهجرة كخلاص نهائي، بل كمسار مليء بالتشظي. نور يعيش على هامش المجتمع، يتنقل بين علاقات عابرة وفضاءات ليلية صاخبة، في محاولة لتعويض شعور دائم بالهشاشة. مارسيليا، المدينة المتوسطية المفتوحة، تظهر هنا كفضاء مزدوج: تمنح الوعد بالحرية، لكنها في الوقت نفسه تكشف قسوة العيش دون جذور أو حماية.

التحول الدرامي الأبرز في الفيلم يأتي مع لقاء نور بسيرج، الشرطي الفرنسي، وزوجته نومي. هذا الثالوث العاطفي لا يُقدَّم كحكاية صادمة بقدر ما يُوظَّف كأداة سينمائية لتفكيك علاقات السلطة والرغبة والانتماء. فالعلاقة بين نور وسيرج تعكس اختلالاً عميقاً في موازين القوة: مهاجر غير نظامي في مواجهة ممثل للسلطة، داخل مجتمع يدّعي الانفتاح لكنه يفرض شروطه بصرامة.

يعالج الفيلم موضوع الميولات الجنسية من زاوية إنسانية أكثر منها خطابية، حيث لا تُطرح المسألة بوصفها شعاراً أو صداماً مباشراً، بل كجزء من تعقيد الشخصيات داخل فضاء المنفى، حيث تختلط الرغبات بالحاجة، والاختيار بالاضطرار. ويبرز نور كشخصية تحاول الدفاع عن صورة ذاتها كما تشكلت في بيئتها الأصلية، في مواجهة واقع جديد يضعه أمام اختبارات أخلاقية ونفسية متواصلة.

زمنياً، يمتد الفيلم من التسعينيات إلى مطلع الألفية، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ الهجرة المغاربية نحو أوروبا، ما يمنح العمل بعداً توثيقياً غير مباشر، حيث تتقاطع قصص شخصيات قادمة من بلدان مغاربية مختلفة، يجمعها الحلم نفسه، وتفرقها طرق النجاة وأساليب التكيّف.

سينمائياً، يعتمد سعيد حميش على إيقاع هادئ وتأمل بصري يسمح للشخصيات بأن تكشف هشاشتها دون خطابة. البحر، الليل، الحانات، والشقق الضيقة، كلها عناصر تُوظَّف لبناء شعور دائم بالتيه، وكأن الشخصيات تعيش داخل منطقة رمادية لا تنتمي فيها بالكامل إلى أي مكان.

وتأتي نهاية الفيلم بزواج نور من زوجة الشرطي الفرنسي كخاتمة مفتوحة على التأويل، لا تُقدَّم كحل رومانسي بقدر ما تعكس تعقيد المسارات الإنسانية داخل المنفى، حيث تختلط المشاعر بالحسابات القانونية، ويصبح الاستقرار ثمناً لتنازلات مؤلمة.

في المحصلة، لا يسعى «البحر من بعيد» إلى إرضاء المتفرج أو تقديم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة محرجة حول معنى الحرية، وحدود الجسد، وثمن العبور من ضفة إلى أخرى. إنه فيلم عن شباب وجدوا أنفسهم عالقين بين ما كانوا عليه، وما يُطلب منهم أن يكونوه، في عالم لا يمنح الاعتراف بسهولة، حتى لمن ينجح في الوصول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *