البحر أنفو – 14/01/2026 عرفت قرية الصيد تشيكا، جنوب مدينة الداخلة، زوال يوم الأحد 11 يناير 2026، حادثاً بحرياً مؤسفاً كاد أن يتحول إلى مأساة حقيقية، بعدما اندلعت ملاسنات حادة وتبادل للشتائم في عرض البحر بين طاقمي قاربين للصيد التقليدي، قبل أن تتطور الأمور إلى اشتباك جسدي عنيف، خلف إصابات متفاوتة في صفوف عدد من البحارة، في مشهد صادم يعكس حجم التوتر الذي بات يطبع بعض ممارسات الصيد التقليدي.
وحسب معطيات متطابقة، فإن شرارة الخلاف انطلقت على خلفية اتهامات متبادلة بسرقة معدات الصيد، لاسيما الغراف والقوارير المستعملة في استهداف الأخطبوط، حيث تحول النقاش المهني بسرعة إلى صراع مفتوح، ضرب عرض الحائط بقيم الحكمة وضبط النفس، وهدد سلامة البحارة في وسط بحري لا يحتمل أي انزلاق نحو العنف أو الفوضى.
وفور عودة القاربين إلى اليابسة، تدخلت السلطات المختصة بشكل فوري، إذ جرى إرسال سيارة إسعاف إلى عين المكان، وتم نقل المصابين إلى المستشفى لتلقي العلاجات الضرورية، في وقت باشرت فيه الجهات المعنية إجراءاتها القانونية من أجل تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المترتبة عن هذا الحادث الخطير.
ولا يمكن النظر إلى ما وقع باعتباره حادثاً عرضياً معزولاً، بل يعكس واقعاً مقلقاً يعيشه جزء من قطاع الصيد التقليدي، حيث أصبح التوتر وسوء الفهم وتراجع منسوب الثقة بين البحارة عاملاً يومياً، في ظل غياب الوعي المهني وتراجع احترام العرف البحري الذي شكل لعقود طويلة الإطار الناظم للعلاقات داخل البحر، وضامن السلم والتعايش بين مختلف الفاعلين.
كما يسلط هذا الحادث الضوء على التحولات العميقة التي تعرفها بعض قرى الصيد، بفعل دخول جيل جديد من الرياس لا يستحضر بالقدر الكافي قيم التضامن وأخلاقيات المهنة، حيث طغى منطق الربح السريع والتباهي على مبادئ الاحترام والحلال والحرام، ما فتح الباب أمام ممارسات مرفوضة، من قبيل الاعتداء على معدات الغير، سرقة محتوى القوارير، وتأجيج الصراعات داخل البحر، في ضرب صارخ لروح المهنة وأعرافها المتوارثة.
إن البحر، بما يحمله من مخاطر طبيعية، لا يحتمل مزيداً من النزاعات البشرية، ولا يمكن أن يتحول إلى فضاء لتصفية الحسابات أو فرض منطق القوة، لأن أي انفلات للسلوك داخل عرض البحر قد تكون كلفته الأرواح قبل الممتلكات، ويقوض أسس الاستقرار داخل قرى الصيد، ويشوه صورة الصيد التقليدي كمصدر عيش شريف قائم على التعاون والاحترام المتبادل.
وأمام تكرار مثل هذه الوقائع، تبرز الحاجة الملحة إلى استعادة الاعتبار للأخلاق المهنية، وترسيخ ثقافة الحوار والانضباط، مع تكثيف جهود التحسيس والتأطير من طرف الهيئات المهنية والسلطات الوصية، قصد حماية السلم البحري وضمان استمرارية النشاط في إطار يحترم القانون والعرف، ويصون كرامة البحارة وحقوقهم.
فالصيد التقليدي ليس مجرد سباق نحو الغنيمة، بل مسؤولية جماعية، أساسها احترام الآخر، والانضباط للقواعد، والاحتكام إلى الحكمة بدل العنف، حتى يبقى البحر فضاءً للعمل الشريف لا ساحةً للصراع والعدوان.