البحر أنفو – 16/01/2026 أخبار دولية «ميرسك» تدشّن عودة تدريجية إلى البحر الأحمر: مؤشّر انفراج في شريان التجارة العالمي
أعلنت مجموعة ميرسك الدنماركية، عملاق النقل البحري العالمي، عن شروعها في أول عودة هيكلية ومنظمة إلى طريق البحر الأحمر وقناة السويس، في خطوة تُعدّ تحوّلًا نوعيًا بعد نحو عامين من الاضطرابات التي شلّت أحد أهم الممرات التجارية في العالم، على خلفية الهجمات التي استهدفت السفن التجارية قبالة السواحل اليمنية.
ووفق ما أفادت به الشركة، فإن أحد خطوطها المنتظمة سيستأنف الإبحار عبر قناة السويس ابتداءً من أواخر يناير الجاري، في أول مؤشر عملي على تراجع منسوب المخاطر الأمنية، وعودة الثقة التدريجية إلى هذا الممر البحري الحيوي الرابط بين آسيا وأوروبا.
غير أن هذا الإعلان لم يمر دون تداعيات فورية في الأسواق، إذ تراجع سهم «ميرسك» بأكثر من 5 في المائة، في انعكاس مباشر لتوقعات المستثمرين بانخفاض محتمل في أسعار الشحن البحري مع عودة السفن إلى المسار الأقصر، بعد أشهر من الالتفاف القسري حول رأس الرجاء الصالح، وما صاحبه من ارتفاع في التكاليف وطول زمن العبور.

عودة محسوبة بعد مرحلة حذر
وكانت شركات الملاحة العالمية قد علّقت استخدام طريق البحر الأحمر منذ أواخر 2023، عقب سلسلة هجمات نفذها الحوثيون، قالوا إنها تأتي في سياق التضامن مع الفلسطينيين في قطاع غزة، ما أدى إلى اضطراب غير مسبوق في سلاسل الإمداد العالمية.
وأوضحت «ميرسك» أن خط MECL، الذي يربط الشرق الأوسط والهند بالساحل الشرقي للولايات المتحدة، سيكون أول خدماتها التي تعود تدريجيًا إلى طريق السويس، على أن تنطلق أول رحلة من ميناء صلالة العُماني في 26 يناير.
وأكدت الشركة أن هذا القرار جاء نتيجة «تحسن مستمر في مستوى الاستقرار والأمن داخل البحر الأحمر ومحيطه، إلى جانب ارتفاع موثوقية الملاحة في المنطقة»، مشددة على أن العودة ستتم وفق نهج تدريجي وحذر، مع الاحتفاظ بخطط بديلة في حال تدهور الأوضاع الأمنية مجددًا.
دلالات اقتصادية واستراتيجية
ويرى محللون أن خطوة «ميرسك» تحمل وزنًا خاصًا، بالنظر إلى كونها من أكثر شركات الشحن العالمية تحفظًا في مسألة العودة إلى البحر الأحمر. واعتبر خبراء في قطاع النقل البحري أن هذا التطور يشكل منعطفًا بالغ الأهمية قد يدفع شركات أخرى إلى مراجعة حساباتها.
وتشير تقديرات مهنية إلى أن العودة إلى طريق السويس قد تُقلّص مدة الرحلة بنحو أسبوع كامل، ما من شأنه خفض التكاليف التشغيلية، والتخفيف من الضغوط التي أثقلت كاهل المستوردين والمصدرين، خاصة في أوروبا.
وفي هذا السياق، رحّبت جهات صناعية أوروبية، لاسيما في قطاع الكيماويات، بهذه الخطوة، معتبرة أنها ستسهم في تهدئة أسعار الشحن، وتعزيز تدفق الواردات، خصوصًا من الأسواق الآسيوية وعلى رأسها الصين.
قناة السويس… شريان لا غنى عنه
وتُعد قناة السويس الطريق الأسرع بين آسيا وأوروبا، إذ كانت تستحوذ، قبل اندلاع التوترات، على ما يقارب 10 في المائة من التجارة البحرية العالمية، وفق تقديرات مؤسسات متخصصة في أبحاث الشحن.
ورغم هذا الانفراج النسبي، لا تزال شركات كبرى أخرى، مثل هاباغ-لويد الألمانية، تلتزم الحذر وتُبقي عملياتها خارج البحر الأحمر في الوقت الراهن، مع متابعة دقيقة لتطورات الوضع، فيما تواصل CMA CGM الفرنسية استخدام المسار عند توفر شروط السلامة.
بين الهدنة والهشاشة
ويأتي هذا التحول في ظل هدنة سارية في قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي، أعادت إحياء الآمال في استقرار الملاحة بالبحر الأحمر، رغم استمرار تبادل الاتهامات بشأن خروقات متفرقة، ما يترك المشهد الأمني في حالة هشاشة قابلة للانتكاس.
وبين تفاؤل حذر ومخاوف كامنة، تبدو عودة «ميرسك» إلى البحر الأحمر خطوة رمزية وعملية في آن واحد، تعكس بداية محتملة لتعافي أحد أهم شرايين التجارة العالمية، لكنها في الوقت ذاته تذكّر بأن استدامة الملاحة الآمنة تظل رهينة بتوازنات سياسية وأمنية تتجاوز حسابات الاقتصاد وحده.