البحر أنفو – 16/01/2026 تتهيأ المملكة المغربية لولوج مرحلة مفصلية في مسارها الصناعي، مع اقتراب الحسم في صفقة استغلال ورشة بناء وصيانة السفن الجديدة بالدار البيضاء، وهي صفقة تُصنَّف في الأوساط الصناعية الدولية ضمن المشاريع الاستراتيجية ذات الأثر العميق على موازين صناعة السفن عالميًا.
فالمشروع لا يتعلق فقط ببنية تحتية صناعية إضافية، بل يؤشر على انتقال نوعي للمغرب نحو صناعات ثقيلة عالية التعقيد، كانت إلى وقت قريب حكرًا على عدد محدود من الدول.
وحسب معطيات متطابقة صادرة عن مصادر صناعية في سيول، تبرز المجموعة الكورية الجنوبية العملاقة HD Hyundai كأبرز المرشحين للظفر بالمشروع، بعد أن قدّم تحالفها عرضًا وُصف بالأقوى من حيث الجوانب التقنية والمالية خلال المراحل النهائية من تقييم العروض. هذا التقدم لم يأتِ من فراغ، بل تعزز بشراكة استراتيجية مع الشركة المغربية للهندسة البحرية صوماجيك (Somagec)، التي راكمت خبرة طويلة في الأشغال البحرية والبنيات التحتية الكبرى.
المشروع، الذي أُطلق طلب عروضه في أبريل 2025، عرف تنافسًا حادًا بين سبعة تحالفات دولية من الوزن الثقيل، من بينها سامسونغ للصناعات الثقيلة وهانوها أوشن، ما يعكس القيمة الاستراتيجية للموقع المغربي في خريطة صناعة السفن العالمية. غير أن الرؤية المتكاملة التي قدمها التحالف المغربي–الكوري، والقائمة على الجمع بين الخبرة الصناعية العالمية والتجذر المحلي، رجّحت كفته في سباق لم يكن سهلًا.
ويروم هذا الورش الضخم تحويل الدار البيضاء إلى قطب إقليمي متكامل لصيانة وإصلاح السفن التجارية والعسكرية، مستفيدًا من الموقع الجغرافي الاستثنائي للمغرب عند تقاطع الطرق البحرية بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. ومن المنتظر أن تضم المنشأة تجهيزات من الطراز الرفيع، تشمل حوض بناء وصيانة بطول يقارب 244 مترًا، ومنصة رفع عملاقة بسعة 9 آلاف طن، إضافة إلى رافعة “بورتيك” بقدرة تصل إلى 450 طنًا، وهي مواصفات تضع المشروع في مصاف الترسانات البحرية المتقدمة عالميًا.
ويعوّل المغرب على هذا المشروع لمزاحمة الترسانات الأوروبية، عبر تقديم خدمات صيانة وإصلاح عالية الجودة، كانت السفن المتجهة إلى غرب إفريقيا وجنوب المتوسط تضطر لعبور آلاف الأميال من أجل الاستفادة منها. كما يمثل الحضور الكوري في هذا الورش فرصة استراتيجية حقيقية لنقل التكنولوجيا وتكوين كفاءات مغربية متخصصة في الصناعات البحرية الدقيقة، وهو عنصر حاسم حظي بتقدير خاص من اللجنة التقنية المغربية المشرفة على المشروع.
ولا ينفصل اهتمام HD Hyundai بالمغرب عن استراتيجيتها الدولية الواسعة، التي تشمل مشاريع كبرى في الولايات المتحدة، والبيرو، والفلبين، إلى جانب الشرق الأوسط، حيث تربطها شراكات صناعية مع عملاق الطاقة السعودي أرامكو. غير أن المشروع المغربي، في حال اعتماده رسميًا، يُنظر إليه كحلقة محورية في خطة المجموعة للتمركز القوي داخل السوق الإفريقية لصيانة وإصلاح السفن، في وقت يشهد فيه هذا القطاع نموًا متسارعًا بفعل التحولات الجيوسياسية وتزايد حركة التجارة البحرية.
بهذا المشروع، لا يكتفي المغرب بتعزيز بنيته الصناعية، بل يخطو بثبات نحو الانضمام إلى نادي الدول الكبرى في صناعة وصيانة السفن، واضعًا نفسه في موقع متقدم ضمن سلاسل القيمة العالمية للصناعات الثقيلة. وهو مكسب استراتيجي للاقتصاد الوطني، يعزز السيادة الصناعية، ويكرّس المملكة كمنصة صناعية ولوجستية متقدمة على ضفتي المتوسط والأطلسي، برؤية طموحة تتجاوز اللحظة إلى أفق طويل المدى.