البحر أنفو – 17/01/2026 واشنطن تقترب من خاصرة النفوذ الصيني في بيرو بخطة لبناء قاعدة بحرية استراتيجية متابعة:
في خطوة تحمل أبعادًا جيوسياسية تتجاوز الإطار العسكري، أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لمشروع ضخم تصل كلفته إلى 1.5 مليار دولار، يهدف إلى تصميم وبناء البنية التحتية للقاعدة البحرية الرئيسية للبيرو، في موقع لا يبعد سوى عشرات الكيلومترات عن ميناء تديره الصين على الساحل المطل على المحيط الهادئ.
المشروع، الذي حاز موافقة وزارة الخارجية الأميركية في إطار صفقة بيع عسكرية أجنبية، لا يزال خاضعًا لمراجعة الكونغرس الأميركي، كما يُتوقع أن يمر عبر مفاوضات تقنية ومالية معقّدة بين ليما والجهات المنفذة المحتملة، ما يعني أن الكلفة النهائية قد تكون أقل من السقف المالي الذي أقرّته واشنطن.
وبحسب وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأميركية، فإن هذه الخطوة تندرج ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز أمن شركاء الولايات المتحدة، واعتبار بيرو فاعلًا إقليميًا يُنظر إليه كعنصر استقرار سياسي واقتصادي في أمريكا الجنوبية.
قاعدة قرب ميناء صيني… والرسائل واضحة
الموقع المختار للمشروع ليس تفصيلًا عابرًا. فالقاعدة البحرية الجديدة ستقام في مدينة كاياو، الميناء التجاري الأكبر في البلاد والمجاور للعاصمة ليما، في وقت يجري فيه نقل المنشأة البحرية الحالية لإفساح المجال أمام توسّع النشاط التجاري للميناء.
غير أن الحساسية الحقيقية تكمن في الجوار المباشر لميناء تشانكاي، الذي شيدته وتديره شركة COSCO Shipping الصينية المملوكة للدولة، باستثمار يفوق 1.3 مليار دولار. ميناء أثار منذ انطلاقه مخاوف واشنطن، التي ترى فيه أكثر من مجرد منصة تجارية، محذّرة من إمكانية توظيفه مستقبلاً لأغراض عسكرية صينية.
وفي حال مضيّ الاتفاق قدمًا، قد يتمركز ما يصل إلى 20 مسؤولًا أو متعاقدًا أميركيًا في بيرو لمدة قد تمتد إلى عشر سنوات، للإشراف على تنفيذ المشروع وإدارته، وهو ما يعكس مستوى الانخراط الأميركي المباشر في هذا الملف الحساس.
بيرو بين قوتين عظميين
التحرّك الأميركي يأتي في سياق تنافس متصاعد مع الصين على النفوذ في أمريكا اللاتينية، وهي منطقة باتت تشكّل ساحة مفتوحة لإعادة رسم موازين القوة العالمية. ورغم ذلك، تحاول بيرو الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية، إذ تُعد الصين شريكها التجاري الأول، في مقابل علاقات سياسية وعسكرية متنامية مع الولايات المتحدة.
وكانت واشنطن قد رفعت مؤخرًا من مستوى شراكتها مع ليما عبر تصنيف بيرو كـحليف رئيسي خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب تعيين سفير أميركي جديد، في إشارات تعكس رغبة واضحة في تعزيز الحضور الأميركي في هذا البلد الاستراتيجي.
بين الموانئ والقواعد، وبين التجارة والأمن، تبدو بيرو اليوم عند تقاطع مصالح دولية كبرى، حيث لم تعد المشاريع البحرية مجرد استثمارات بنيوية، بل أوراقًا في لعبة نفوذ عالمية تتسارع فصولها.