عاجل
8 فبراير 2026 على الساعة 23:16

عقود العمل في صيد السردين: من الفوضى إلى الاعتراف… الكونطرا تصنع بحار الغد

البحر أنفو – 08/02/2026 عقود العمل في صيد السردين: من الفوضى إلى الاعتراف… الكونطرا تصنع بحار الغد متابعة:

في منعطف حاسم من تاريخ الصيد الساحلي، خصوصاً صنف السردين، يطفو إلى السطح نقاش عميق طالما تم تأجيله: قضية “الكونطرا” أو عقود العمل، التي لم تعد مجرد حديث مجالس أو وعود معلقة، بل واقعاً يفرض نفسه بقوة على مراكب الصيد وعلى البحارة على حد سواء.

السنوات الماضية كانت شاهدة على معاناة حقيقية للبحار الساحلي، مع نظام “الحساب” غير الواضح، والتماطل في صرف المستحقات، والاشتغال في ظروف يغيب فيها أي ضمان قانوني أو اجتماعي. بحار يشتغل شهوراً في البحر، دون راتب قار، ودون أفق واضح، وقد يُفاجأ في أي لحظة بـ“الديبير” دون إشعار أو تبرير، وكأن سنوات تعبه لا وزن لها.

اليوم، ومع بروز عقود العمل، يتجه القطاع نحو تحول بنيوي عميق، قد يكون من أهم المحطات في تاريخ الصيد الساحلي بالمغرب. فالعقد لم يعد عبئاً، بل أصبح آلية اعتراف بالبحار كفاعل مهني كامل الحقوق، لا مجرد يد عاملة موسمية.

عقد يضمن أجرة شهرية قارة، تُحوَّل مباشرة إلى الحساب البنكي، بعيداً عن منطق “الباي فالجوا بحال القمارة ” الذي يشبه المقامرة أكثر مما يشبه العمل المهني. هذا التحول لوحده يفتح للبحار آفاقاً جديدة: إمكانية الولوج إلى القروض البنكية، الاستقرار الاجتماعي، والتخطيط للمستقبل بثقة.

أكثر من ذلك، فإن الجمع بين الأجر القار، وتعويض الطوناج، والبريم شارج، يجعل المداخيل السنوية للبحار مرشحة للارتفاع إلى ما يفوق 80 ألف درهم سنوياً، عوض 30 أو 35 ألف درهم التي ظلت سقفاً هزيلاً لسنوات. فرق شاسع يعكس قيمة العمل الحقيقي في البحر، ويُنهي منطق الاستغلال المقنّع. فقط إدا احتسبنا 10 دراهم في الطن الواحد مقابل 3000 طن الممنوحة للصيد الساحلي صنف السردين ببوجدور فإن البحار سيحصل على 30 ألف درهم .

أما على المستوى الاجتماعي، فالكونطرا تعني الانخراط المنتظم في الضمان الاجتماعي، واحتساب سنوات العمل بشكل واضح، ما يضمن تقاعداً محترماً، ويضع حداً لسنوات الضياع التي عاشها بحارة كُثُر، توقفت حياتهم المهنية بسبب الكوطا، وقلة النقاط، وتعليق المصير بين البحر والبر.

الكونطرا أيضاً ليست فقط حماية للبحار، بل تنظيم للقطاع ككل. فهي تضع حداً للفوضى، وللاشتغال في “النوار”، وتُقوِّض ممارسات “الدكاكة” والتهريب، وتمنع التلاعب في لوائح البحارة، حيث “شي كيتعبر وشي كيدوز على برا”. إنها خطوة نحو الشفافية والانضباط، ونحو قطاع مهني يحترم نفسه.

صحيح أن هناك من لا يزال يرفض عقود العمل، ويحاربها بدعوى الخوف أو فقدان الامتيازات غير المعلنة، لكن التاريخ لا يعود إلى الوراء. الكونطرا قادمة لا محالة، لأنها ببساطة تخدم مصلحة البحار والقطاع والدولة و المجهز في آن واحد.

اليوم، الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى. فقط الإرادة والعزم مطلوبان. لأن بحار الغد لن يكون بحار الهشاشة والانتظار، بل بحار معترف به، موقع على عقد، محمي بالقانون، وله قيمة واضحة. وهنا فقط يمكن القول إن الصيد الساحلي، صنف السردين، دخل فعلاً مرحلة جديدة… مرحلة الكرامة المهنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *