البحر أنفو – 12/02/2026 بلوكاج في رصيف أعالي البحار بالداخلة… من يعطل شرياناً اقتصادياً يدرّ الملايين ؟
تعيش عمليات تفريغ مصطادات سفن الصيد في أعالي البحار بميناء الداخلة الجزيرة على وقع توقف مفاجئ، بعد انسحاب عمال التفريغ لأسباب ما تزال يكتنفها الغموض، في مشهد أربك الرصيف وخلق حالة “بلوكاج” غير مسبوقة انعكست مباشرة على حركية السفن المتوافدة وفق البرمجة الرسمية المعتمدة من طرف مندوبية الصيد البحري والوكالة الوطنية للموانئ.
سفن قطعت أميالاً في عرض البحر، وعادت محمّلة بمصطاداتها، لتجد نفسها راسية دون قدرة على التفريغ، فيما تتراكم الخسائر يوماً بعد يوم نتيجة توقف الدورة الاقتصادية المرتبطة بها. هذا التعثر لا يمس فقط نشاطاً بحرياً عادياً، بل يضرب في العمق منظومة إنتاجية تدرّ أموالاً طائلة على الرصيف الذي تستغله شركة “مرسى ماروك” بالميناء، وتخلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتغذي حركية تجارية واقتصادية حيوية بالجهة.
صفقة جديدة… وصراع خفي ؟
مصادر مهنية كشفت للجريدة أن خلفية الأزمة تعود إلى صفقة تدبير عمليات تفريغ سفن أعالي البحار، التي فاز بها شخص جديد، ما أثار توتراً مع الطرف الذي كان يمسك فعلياً بخيوط العملية في المواسم السابقة.
ووفق المعطيات المتداولة، فإن الشركة التي اعتادت الظفر بالصفقة على المستوى الوطني كانت تبقى في الواجهة شكلياً، بينما تُدار عمليات التفريغ ميدانياً من طرف شخص معروف في الأوساط المهنية، يُدعى “سالم”، ويتحكم في شبكة العمال المشتغلين في هذا النشاط.
انسحاب العمال المرتبطين بالطرف السابق مباشرة بعد إسناد الصفقة الجديدة طرح أكثر من علامة استفهام:
هل نحن أمام صراع نفوذ حول كعكة المناولة ؟ أم أمام خلل في تدبير انتقال سلس يضمن استمرارية مرفق حيوي دون ارتهانه للأشخاص ؟

أرقام تكشف حجم الرهان
تفريغ سفينة صيد في أعالي البحار ليس عملية بسيطة يمكن تعويضها بين عشية وضحاها. فكل سفينة تتطلب تعبئة بشرية مهمة: حوالي 13 عاملاً على مستوى العنبر، وثلاثة عمال في كل شاحنة، وأكثر من 12 عاملاً داخل القاعة فوق الرصيف. أي أن العملية الواحدة تحتاج ما بين 35 و40 شخصاً لضمان انسيابية التفريغ في ظروف تنظيمية وصحية مضبوطة.
هذه المنظومة البشرية المعقدة تفرض توفر ضمانات لوجيستية وبشرية مسبقة عند إسناد أي صفقة، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً:
كيف تم منح صفقة من هذا الحجم دون التأكد من قدرة صاحبها على تعبئة الموارد البشرية الضرورية فور انطلاق النشاط، خصوصاً وأن تدفق السفن كان مبرمجاً سلفاً ولم يكن مفاجئاً ؟ مرسى ماروك بين التوسع الدولي والاختبار المحلي
المفارقة التي تزيد من حدة الجدل أن “مرسى ماروك” قطعت أشواطاً معتبرة في توسيع حضورها قارياً، وكان آخرها الظفر بصفقة مهمة بميناء مونروفيا، ما يعزز صورتها كفاعل موانئي وازن على المستوى الإفريقي. غير أن ما يجري اليوم برصيف أعالي البحار بالداخلة يضعها أمام اختبار تدبيري حقيقي:
كيف لشركة تدير موانئ خارج الحدود أن تعجز عن احتواء أزمة مناولة داخل رصيف استراتيجي يدر عائدات ضخمة ؟
الأزمة الحالية تعيد إلى الأذهان سيناريو الموسم الماضي، حين لوّح بعض عمال التفريغ بورقة “التمارض” مع اقتراب نهاية العمليات، في ضغط واضح على الجهة المانحة من أجل تسريع أداء مستحقات خدمة التفريغ. يومها طُرحت أسئلة حول هشاشة النموذج المعتمد وارتهانه لمجموعات محددة قادرة على شلّ النشاط في أي لحظة. واليوم يتكرر المشهد، ما يوحي بأن الدروس لم تُستخلص بالشكل الكافي.

استثمار معلق على رصيف الانتظار
في جهة تراهن على الاستثمار البحري وتقديم الداخلة كقطب اقتصادي واعد، يبدو مشهد السفن المتوقفة أمام رصيف عاجز عن تأمين أبسط حلقات السلسلة اللوجستية رسالة سلبية للمستثمرين.
فكيف يمكن الحديث عن تطوير المنطقة واستقطاب رساميل جديدة، في ظل أعطاب متكررة تمس صميم التدبير المينائي ؟
الرهان اليوم يتجاوز حل نزاع عمالي عابر؛ إنه يتعلق بضرورة فتح تحقيق إداري شفاف لتحديد المسؤوليات، ومراجعة شروط إسناد صفقات المناولة، وضمان عدم تحول نشاط استراتيجي إلى رهينة حسابات ضيقة أو صراعات نفوذ. فسفن أعالي البحار ليست مجرد مراكب راسية، إنها شريان اقتصادي حيوي.
وأي عبث بهذا الشريان يكلّف المنطقة كثيراً، ويفرض على الجهات الوصية التحرك العاجل لإعادة الأمور إلى نصابها، حمايةً للاقتصاد المحلي وصوناً لهيبة المرفق المينائي.

المعضلة اليوم في ميناء الداخلة الجزيرة لم تعد تقنية أو ظرفية، بل تحولت إلى سؤال جوهري حول من سيتحمل كلفة هذا “البلوكاج” المفتوح.
سفن أعالي البحار، التي تشتغل وفق برمجة دقيقة وتتحمل مصاريف يومية ثقيلة في عرض البحر وعلى الرصيف، تجد نفسها عاجزة أمام توقف عمليات التفريغ، فيما سفن أخرى في طريقها إلى الميناء، ما ينذر بتفاقم الأزمة واكتضاض بالأرصفة.
إحدى السفن اضطرت إلى الاستعانة ببحارتها للقيام بعملية التفريغ، في مشهد استثنائي يعكس حجم الارتباك، غير أن المهمة كانت شاقة ومعقدة ولم تُستكمل إلا في ساعات متأخرة من الليل، بما يحمله ذلك من ضغط بدني ومخاطر تنظيمية، ويطرح سؤال الجاهزية المهنية داخل رصيف يفترض أنه مؤهل لاستقبال هذا النوع من السفن.
هذه اللخبطة لا تمس فقط دورة الإنتاج البحري، بل تضرب في العمق صورة المنطقة وسمعتها الاستثمارية، وتعيد إلى الواجهة إشكالية حكامة تدبير الموانئ.
فحين تضطر سفن أعالي البحار إلى التفكير في تغيير وجهتها نحو موانئ الربط بأكادير أو طانطان لتفريغ مصطاداتها، فإن الداخلة تخسر مداخيل مباشرة وغير مباشرة، من خدمات الرصيف إلى النقل والتبريد والمعالجة الصناعية، فضلاً عن فرص الشغل المرتبطة بكل عملية تفريغ. استمرار الوضع على ما هو عليه قد يدفع الفاعلين إلى إعادة ترتيب خياراتهم اللوجستية، وهو ما ستكون له كلفة اقتصادية ثقيلة على الجهة. أمام هذا الوضع، يبرز دور السلطات الترابية والإدارة العامة للجهات المعنية في التدخل العاجل لتطويق الأزمة قبل أن تنزلق إلى ما لا تُحمد عقباه.
والي الجهة مدعو لوضع الملف على طاولة المعالجة الفعلية، خاصة وأن الإشكال سبق أن عُرض عليه في سياقات سابقة بمعطيات لم تكن تعكس الصورة الكاملة. كما أن المسؤولية لا تقف عند المستوى المحلي، بل تمتد إلى الإدارة المركزية لضمان استمرارية مرفق حيوي واستعادة الثقة في تدبيره، لأن ترك سفن أعالي البحار رهينة هذا الارتباك يهدد بفقدان رهان اقتصادي استراتيجي كانت الداخلة تراكم عليه الكثير.