البحر أنفو – 16/02/2026 تكتسي النسخة الثامنة من مبادرة “حوت بثمن معقول” هذه السنة طابعاً استثنائياً بكل المقاييس، بعدما انتقلت من مجرد آلية ظرفية لدعم تموين الأسواق بالأسماك خلال شهر رمضان، إلى ورش حقيقي لتثمين المنتوجات البحرية وإعادة التوازن إلى سوق يعرف تقلبات حادة في الأسعار، خاصة في ما يتعلق بأسماك السردين.
المبادرة، التي تشرف عليها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بقيادة زكية الدريوش، دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: السردين المجمد كخيار استراتيجي وليس مجرد بديل مؤقت. فبعدما شهدت أسعار السردين الطري في بعض الفترات ارتفاعاً لافتاً بلغ أحياناً 50 درهماً للكيلوغرام، برزت الحاجة إلى تدخل عملي يعيد الاعتبار لسمك يُعد من أكثر الأنواع استهلاكاً لدى الأسر المغربية.
في هذا السياق، جاء الرهان الكبير لهذه السنة على توفير كميات مهمة من السردين المجمد، في توجه يعكس وعياً متزايداً بأهمية تثمين المصطادات الوطنية بدل تركها رهينة لتقلبات العرض اليومي وسلاسل التوزيع غير المتوازنة.

فالتجميد الصناعي، وفق معايير صحية دقيقة، لا يحافظ فقط على الجودة والقيمة الغذائية، بل يضمن أيضاً استقرار العرض والتحكم في الأسعار، ويقلص من هامش المضاربات التي كثيراً ما ترفع ثمن السردين الطري إلى مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من المستهلكين. هذا التحول النوعي لم يأت من فراغ. ففي كواليس المبادرة، يُجمع العديد من المتابعين على أن عزيز عباد يُعد مهندس هذا التوجه الجديد وعرّاب إدماج السردين المجمد في صلب البرنامج.
فقد اشتغل، وفق معطيات متقاطعة، على الدفع نحو رؤية تقوم على تثمين المنتوج البحري عند المصدر، واستثماره في سلاسل تبريد وتوزيع تضمن استدامة العرض وعدالة السعر. وبذلك تحولت الفكرة من مقترح تقني إلى رافعة اجتماعية واقتصادية تعيد رسم معادلة السوق.

النسخة الثامنة لم تركز فقط على الكميات، بل على فلسفة التدخل ذاتها. فبدل الاكتفاء بضخ الأسماك الطرية في نقاط البيع، تم اعتماد مقاربة تقوم على تنويع العرض وضمان استمراريته، بما يتيح للمستهلك الاختيار بين منتوج طري يخضع لتقلبات السوق، ومنتوج مجمد بثمن مضبوط وجودة مراقبة.
وقد لقي هذا التوجه ترحيباً واضحاً من مسؤولين إداريين داخل القطاع، الذين اعتبروا أن المبادرة دخلت بذلك مرحلة النضج، وأصبحت أداة فعلية لضبط السوق وليس فقط مواكبته. أما على مستوى المستهلكين، فقد عبر عدد منهم عن ارتياحهم للأثمنة المقترحة، والتي تبقى في متناول الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، مقارنة بما بلغه السردين الطري في بعض الأسواق. فالفارق السعري لم يعد بسيطاً، بل أصبح حاسماً في القرار الشرائي، خاصة في فترة يزداد فيها الطلب على المواد الغذائية.

رهان السردين المجمد في إطار “حوت بثمن معقول” لا يعني منافسة مباشرة للمنتوج الطري، بقدر ما يعكس توجهاً نحو عقلنة السوق وتثمين الثروة السمكية الوطنية عبر آليات حديثة للحفظ والتوزيع. وهو ما ينسجم مع رؤية أوسع تسعى إلى تحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي – حماية القدرة الشرائية – والبعد الاقتصادي – تثمين المصطادات وضمان استدامة سلاسل القيمة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن النسخة الثامنة من المبادرة لا تمثل فقط محطة سنوية عابرة، بل تؤسس لمرحلة جديدة في تدبير العرض السمكي بالمغرب، عنوانها: التثمين، التنظيم، وحماية المستهلك. وفي قلب هذا التحول، يبرز اسم عزيز عباد كأحد أبرز مهندسي الفكرة، التي قد تشكل، إذا ما تم تطويرها وتوسيعها، نموذجاً دائماً لتدخل ذكي في سوق طالما ظل رهيناً بالتقلبات والمضاربات.



