البحر أنفو – 31/03/2026 حين تُضَخّ الملايير لإخماد نار الأسعار… ويُترك البحر ليحترق بصمت متابعة:
في زمن القرارات “الاجتماعية المستعجلة”، حيث تسابق الحكومة الزمن لاحتواء غضب الأسواق وامتصاص صدمات الخارج، بدا المشهد وكأنه لوحة متكاملة: دعم متواصل لغاز البوتان، تثبيت لأسعار الكهرباء، وضخ جرعات إنعاش لقطاع النقل حتى لا ترتفع تسعيرة التنقل فوق رؤوس المواطنين. كل شيء يبدو منطقياً… بل ومطلوباً.
لكن، وسط هذا “الكرم الانتقائي”، يقف قطاع بأكمله على الرصيف، يراقب المشهد في صمت ثقيل… قطاع الصيد البحري، الذي لا يبدو أنه معني لا بالدعم، ولا بالالتفاتة، ولا حتى بكلمة طمأنة عابرة.

الغريب في الأمر ليس أن الحكومة دعمت النقل، فذلك مفهوم في سياق حماية القدرة الشرائية، لكن الصادم هو أن قطاعاً يُغذي الاقتصاد ويُشغل آلاف الأسر، ويُحرك سلاسل إنتاج من البحر إلى السوق، يُترك وكأنه خارج الزمن الاقتصادي.
في الموانئ، الصورة مختلفة تماماً عن البلاغات الرسمية. سفن تتآكلها التكاليف، بحارة يطاردون موسماً لم يعد يُغطي المصاريف، مهنيون يواجهون ارتفاعاً صامتاً في كل شيء: المحروقات، قطع الغيار، الصيانة، وحتى اليد العاملة. ومع ذلك… لا دعم، لا إجراءات، لا حتى نقاش.
كأن البحر لا يصوّت… لذلك لا يُسمع صوته.
الأكثر إثارة للسخرية، أن القطاع الذي يُفترض أن يكون في صلب السياسات العمومية، أصبح اليوم أشبه بـ“يتيم اقتصادي”، لا يتذكره أحد إلا في تقارير الإنتاج أو عند تصدير الأرقام نحو الخارج. أما حين يتعلق الأمر بالدعم، بالحماية، بالمواكبة… فيبدو أن هناك قطاعات “أكثر أولوية” في قاموس المرحلة.
وإذا كان الصمت الحكومي يثير التساؤل، فإن صمت التمثيليات المهنية يطرح أكثر من علامة استفهام.
أين هم ممثلو القطاع ؟
أين البيانات النارية ؟
أين الضغط، أين الترافع، أين الدفاع عن آلاف البحارة الذين يشتغلون في ظروف تزداد قسوة يوماً بعد يوم؟
لا شيء… سوى صمت مريب، يوحي وكأن الجميع اختار الاصطفاف في زاوية “دار غفلون”، في انتظار معجزة قد لا تأتي.
في المقابل، تستمر قرارات الدعم في المرور، قطاعاً بعد آخر، وكأن خارطة الاقتصاد تُرسم وفق ميزان غير معلن: من يرفع صوته أكثر، ينل نصيبه أكبر. أما من يشتغل في صمت… فمصيره أن يُنسى في صمت.

اليوم، لم يعد الحديث عن أزمة عابرة، بل عن اختلال في ترتيب الأولويات. قطاع الصيد البحري ليس رقماً ثانوياً يمكن تجاوزه، بل هو ركيزة إنتاجية حقيقية، وأي اختناق يصيبه سينعكس مباشرة على سلاسل التموين، وعلى الأسعار، وعلى التوازنات الاجتماعية في مدن بأكملها.
ومع ذلك، يبدو أن ناقوس الخطر لم يُسمع بعد… أو ربما تم تجاهله عمداً.
النتيجة؟ قطاع يقترب من سكتة اقتصادية بطيئة، لا ضجيج فيها، لكن آثارها قد تكون مدمرة.
وفي انتظار أن يلتفت أحد إلى ما يجري في عرض البحر، يبقى السؤال معلقاً بسخرية مرة:
هل يحتاج الصيد البحري إلى أزمة صاخبة حتى يدخل دائرة الاهتمام… أم أن الصمت صار تهمته الكبرى؟
