البحر أنفو – 04/04/2026 الموانئ تقود التحول… والمغرب يعيد رسم خريطة الاقتصاد الأزرق متابعة:
في زمن تتسابق فيه الدول لإعادة تعريف علاقتها بالبحر، لا يبدو المغرب مجرد فاعل عادي، بل قوة صاعدة تعيد ترتيب أوراقها البحرية بثقة ورؤية طويلة النفس. من طنجة إلى الكويرة، تتشكل ملامح نموذج تنموي جديد، عنوانه: “الاقتصاد الأزرق” كرافعة للسيادة الاقتصادية والاستدامة.
بأرقام صلبة، يكشف قطاع الصيد البحري عن حجمه الحقيقي داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية. 22 ميناء صيد، وأكثر من 40 نقطة تفريغ مجهزة، وأسطول متنوع يضم 470 سفينة أعالي البحار، و2500 سفينة ساحلية، إلى جانب أزيد من 17 ألف قارب تقليدي… إنها منظومة إنتاجية متكاملة، لا تكتفي بتأمين الموارد، بل تخلق دينامية اجتماعية واسعة، تشغل مئات الآلاف وتغذي سلاسل قيمة تمتد من البحر إلى الأسواق العالمية.
غير أن التحول العميق لا يكمن فقط في الأرقام، بل في الفلسفة التي تؤطر هذا المسار. فالرؤية الجديدة، كما تعكسها السياسات العمومية، تقوم على التوازن الدقيق بين الاستغلال والحماية، بين النمو الاقتصادي وصون الثروات البحرية. وهنا، يبرز مفهوم “الاقتصاد الأزرق” كخيار استراتيجي، يزاوج بين الأداء والإدماج والاستدامة، في محاولة لتفادي أخطاء النماذج التقليدية التي استنزفت الموارد الطبيعية عبر العالم.
وفي قلب هذه الدينامية، تبرز الموانئ ليس فقط كبنيات تحتية، بل كمحركات جيو-اقتصادية. فميناء طنجة المتوسط تحول إلى منصة عالمية للربط اللوجستي، فيما يشق ميناء الناظور غرب المتوسط طريقه ليكون قطبًا صناعياً واعداً، ويُنتظر أن يمنح ميناء الداخلة الأطلسي دفعة نوعية للتموقع المغربي كبوابة استراتيجية نحو إفريقيا الأطلسية. إنها شبكة مترابطة تعكس طموح بلد يسعى لاحتلال موقع متقدم في سلاسل التجارة البحرية الدولية.
على مستوى الأداء، تؤكد المعطيات أن المغرب تجاوز عتبة 1.4 مليون طن من مفرغات الصيد سنة 2024، ليرسخ موقعه في صدارة الدول الإفريقية، وضمن كبار المنتجين عالمياً. كما أن القطاع يشغل بشكل مباشر أكثر من 269 ألف شخص، ويحقق صادرات تقارب 29 مليار درهم، ما يجعله أحد الأعمدة الصلبة للاقتصاد الوطني.
لكن، خلف هذه المؤشرات الإيجابية، يظل التحدي الأكبر هو الاستدامة. فحماية النظم البيئية البحرية لم تعد خياراً، بل ضرورة حيوية ترتبط بالأمن الغذائي، والتحول الطاقي، ومواجهة التغيرات المناخية. لذلك، راهن المغرب على ترسانة قانونية متقدمة، وتخطيط مكاني بحري، إلى جانب خطط تدبير المصايد وتعزيز آليات المراقبة لمحاربة الصيد غير القانوني.
وفي خطوة تعكس نضج هذه الرؤية، تمكّن المغرب من ضمان تدبير مستدام لنحو 97% من كميات التفريغ عبر 30 مخططاً تدبيرياً، مع توجه طموح لرفع نسبة المناطق البحرية المحمية إلى 10% من المياه الوطنية، في أفق خلق توازن حقيقي بين الإنتاج والحفاظ على التنوع البيولوجي.
دولياً، لا يتحرك المغرب بمنطق الانغلاق، بل يمد جسور التعاون، خاصة مع الدول الإفريقية، في إطار شراكات جنوب-جنوب، تقوم على تقاسم الخبرة وتعزيز سلاسل القيمة السمكية. من خلال إنجاز نقاط تفريغ مجهزة بعدد من الدول الإفريقية، يترجم المغرب رؤية تضامنية، تتجاوز الحدود نحو بناء فضاء بحري إفريقي متكامل.
في المحصلة، لم يعد البحر مجرد مورد طبيعي بالنسبة للمغرب، بل أصبح مجالاً استراتيجياً لإعادة تشكيل الاقتصاد، وتعزيز الحضور الدولي، وضمان تنمية شاملة ومستدامة. وبين الموانئ التي تنبض بالحياة، والأساطيل التي تجوب السواحل، تتشكل قصة بلد يكتب فصلاً جديداً… عنوانه: “السيادة عبر البحر”.