البحر أنفو – 12/04/2026 نفق المغرب–إسبانيا: تسريع الدراسات يعيد المشروع إلى الواجهة ويقرب حلم الربط القاري
عاد مشروع النفق البحري الرابط بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا ليتصدر النقاشات الاستراتيجية، في ظل دينامية جديدة تعكس إرادة سياسية وتقنية لتجاوز عقود من التردد. فبعد سنوات من الجمود، يشهد هذا الورش العملاق دفعة قوية، مدفوعة بتقارب غير مسبوق بين الرباط ومدريد، ورهان مشترك على تحويل مضيق جبل طارق إلى ممر حيوي يربط إفريقيا بأوروبا.
تمويل متصاعد ودراسات متقدمة
بحسب معطيات حديثة، وافقت الحكومة الإسبانية في مارس 2026 على تخصيص 1.73 مليون يورو لتمويل دراسات تقنية جديدة، تهم تقييم الجدوى الهندسية للمشروع. ويأتي هذا التمويل في سياق ارتفاع ملحوظ في ميزانية الشركة الإسبانية SECEGSA، التي انتقلت من اعتمادات رمزية لا تتجاوز 50 ألف يورو سنويا قبل 2022، إلى أزيد من 9.6 مليون يورو في ظرف وجيز.
هذا التطور يعكس تحولا استراتيجيا في تعاطي مدريد مع المشروع، خاصة في ظل تحسن العلاقات الثنائية مع المغرب.
مشروع هندسي غير مسبوق
يرتقب أن يمتد النفق على طول يقارب 65 كيلومترا، منها حوالي 40 كيلومترا داخل التراب الإسباني، ليربط مدينة طنجة بمنطقة فيخير دي لا فرونتيرا.
ويتضمن التصميم المقترح:
نفقين مخصصين للسكك الحديدية
نفقا ثالثا للخدمات والصيانة
عمقا يصل إلى 500 متر تحت قاع البحر
ومن المنتظر أن يختصر هذا المشروع زمن التنقل بين الضفتين إلى نحو 30 دقيقة فقط، بكلفة تقديرية تبلغ 8.5 مليار يورو على الجانب الإسباني.
تحديات جيولوجية تحت المجهر
أحد أبرز التحديات التي واجهت المشروع يتعلق بطبيعة قاع البحر، خاصة على مستوى ممر “كامارينال”، حيث أُنجزت دراسة تقنية من طرف شركة هيرنكنخت، خلصت إلى أن إنجاز النفق ممكن تقنيا، رغم التعقيدات الجيولوجية الكبيرة.
وفي السياق ذاته، وقع وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي ونظيره المغربي كريم زيدان مذكرة تفاهم لإطلاق دراسة علمية تمتد لثلاث سنوات، تركز على النشاط الزلزالي والديناميكيات الجيولوجية للمضيق.
ومن المرتقب أن يقود المجلس الأعلى للبحوث العلمية حملة بحثية بحرية خلال 2026، بهدف إعداد نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد لقاع البحر، وهو عنصر حاسم في تحديد المسار النهائي للنفق.
تأمين المشروع وتسريع الجدول الزمني
في خطوة موازية، أطلقت السلطات الإسبانية مناقصة لتأمين المسؤولية المدنية الخاصة بإدارة المشروع، تشمل رئيس الشركة خوسيه لويس غوبرنا وأعضاء مجلس إدارتها. وتهدف هذه التغطية إلى حماية المسؤولين من المخاطر المرتبطة بالأخطاء الإدارية أو القانونية، بسقف تأميني يصل إلى 1.64 مليون يورو.
ومن المنتظر أن تدخل هذه التغطية حيز التنفيذ في 30 شتنبر 2026، تزامنا مع استكمال النسخة المحدثة من التصميم الأولي، والتقدم في مشروع النفق الاستكشافي.
أفق 2030… ورهان استراتيجي بعيد المدى
رغم أن إنجاز النفق بشكل كامل قد يستغرق نحو عشر سنوات، ما يجعله خارج الجدول الزمني لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030 التي ستنظمها كل من المغرب وإسبانيا والبرتغال، إلا أن هذا الحدث يشكل محفزا سياسيا قويا لتسريع وتيرة الدراسات.
ويرى متابعون أن المشروع يتجاوز بعده الهندسي، ليحمل رهانات جيو-اقتصادية كبرى، من خلال تعزيز التكامل الإقليمي، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وتحويل المضيق من حاجز طبيعي إلى جسر استراتيجي دائم بين القارتين.
نحو ربط قاري تاريخي
في ظل هذه التطورات، يبدو أن مشروع النفق المغربي الإسباني دخل مرحلة جديدة عنوانها الجدية والتسريع، مدعوما بإرادة سياسية مشتركة واستثمارات متزايدة. وإذا ما تواصل هذا الزخم، فقد يتحول هذا الحلم المؤجل إلى أحد أكبر المشاريع الهندسية في القرن الحادي والعشرين، واضعا المغرب في قلب شبكة الربط القاري بين إفريقيا وأوروبا.