عاجل
25 أبريل 2026 على الساعة 23:07

طرائف بحرية:“سير دي الشكارمو للرايس”..طقوس غير مكتوبة تحكم اندماج البحارة الجدد أو حين يتحول الاندماج إلى امتحان غير معلن في مراكب السردين

البحر ماشي غير موج ورياح، راه مسرح كبير كيتخلّق فيه الحكايات والطرائف اللي كتخلّي كل رحلة بحّارة قصة بوحدها. ومن منطلق هاد الغنى ديال الميدان، الجريدة غادي تبقى منكبّة على نشر هاد الطرائف باش توصل لقرّاءها الصورة الحقيقية للي كيوقع فوق الماء وتحت السماء. ولهذا الغرض، نهيب بجميع البحّارة والمهنيين يشاركونا طرائفهم عبر الواتساب 0610333228 باش توثق وتنشر للجميع.

البحر أنفو – 25/04/2026 حين يتحوّل “الشكارمو” إلى فخ… طقوس بحرية بين المزاح القاسي واختبار الانتماء
في عوالم الصيد البحري، لا تُقاس التجربة فقط بعدد الرحلات ولا بسنوات الإبحار، بل تُختبر أيضاً عبر مواقف تبدو للوهلة الأولى طريفة، لكنها تحمل في عمقها رسائل غير مكتوبة عن “قوانين البحر” وثقافة الطاقم. هناك، حيث الملح يختلط بالتعب، وحيث القساوة تُغلف أحياناً بروح الدعابة، تولد طرائف من نوع خاص… بعضها يثير الضحك، وبعضها الآخر يضع القادمين الجدد أمام امتحان غير متوقع.


على متن أحد مراكب صيد السردين بسواحل أكادير، اجتمع طاقم من البحارة على “مهمة” غير معلنة: إخضاع بحّار جديد، أو كما يُطلق عليه في لغة المهنة “لبواجدي”، لطقس من طقوس الإدماج التي لا تُدرّس في المعاهد ولا تُكتب في القوانين.
المعني بالأمر، شاب قادم من الرباط، بعيد كل البعد عن تفاصيل الحياة البحرية اليومية في سوس. لا يتقن الأمازيغية، ولا يعرف خبايا المصطلحات المحلية، لكنه كان يحمل ثقة زائدة بالنفس، وربما شيئاً من التعالي الذي لم يمر مرور الكرام وسط طاقم خبر قسوة البحر قبل البشر. توصية إدارية فتحت له باب العمل، لكنها لم تضمن له القبول داخل “جماعة المركب”.

كان الصباح ثقيلاً على متن أحد مراكب صيد السردين بسواحل أكادير. البحر شحيح، والشباك تعود فارغة، والوجوه متجهمة كأنها تُخفي غضباً مؤجلاً. حتى “الرايس” في “الباسريل” كان صامتاً أكثر من اللازم… والصمت في البحر، كما يعرفه البحارة، ليس علامة راحة، بل إنذار غير معلن… الصمت كان ثقيلاً، ومزاج الربان متعكراً إلى أقصى حد.

في تلك اللحظة، حيث التوتر يبلغ ذروته، قرر بعض البحارة تفعيل “الخطة الانتقامية من البحار الجديد باش يحيدو منو البخ” حيث و في لحظة فطور، يختلط الشاي بالتعب، وتُكسر الجدية ببعض النكت، تحركت “الخطة”. نظرات متبادلة بين البحارة… ابتسامات خفيفة… وصمت يحمل أكثر مما يُقال. أحدهم ناداه بنبرة عادية جداً: “سير عند الرايس… ودي ليه الشكارمو.” كلمة بسيطة… طلب عادي في ظاهره. لكن “الشكارمو” هنا لم يكن أداة، بل فخاً محكماً… اختباراً صغيراً بحجم مقلب، وكبيراً بحجم درس ؟ واختبار لسداجة القادم الجديد.

حمل الشاب الرباطي “المهمة” بكل جدية، بل وبشيء من الفخر. اعتبر أن اختياره من بين الطاقم للحديث مباشرة مع الربان إشارة تقدير، وربما بداية اعتراف بمكانته. صعد إلى قمرة القيادة (الباسريل)، طرق الباب بثقة، ثم قال بنبرة المنتصر: “الرايس… ها هو الشكارمو.”
في تلك اللحظة، انفجر المشهد… انكسر كل شيء. الرايس، الغارق في توتر رحلة فاشلة، لم يفهم… أو ربما فهم أكثر مما يجب. لم يستوعب الطلب ولم يتقبل التوقيت  جاء الرد قاسياً، سريعاً، مشحونا بالغضب، كصفعة بحرية بلا مقدمات. كلمات حادة سقطت على الشاب، الذي وجد نفسه فجأة خارج المشهد الذي تخيله… المرض، المرض فيي التيساع… لم تكن هناك أي “مهمة”، ولا أي تقدير…فقط فخ بسيط أحكم بإتقان.

في الأسفل… على “الكوبيرتا”، كان الطاقم يتابع بصمت مشدود… ثم، ومع أول إشارة لفهم ما وقع… انفجر المركب ضحكاً، ضحك جماعي، صاخب، كأنه تعويض عن صمت البحر وثقله. ضحك فيه شماتة خفيفة… وفيه أيضاً إعلان غير رسمي: “تمت العملية”.

نزل “الرباطي” مرتبكاً، يحمل خيبة صغيرة… ودرساً كبيراً. اقترب منه أحد القدامى “لاصيان”، وربت على كتفه، وقال بنبرة فيها سخرية ممزوجة بحكمة البحر: “ آش غادي يدير الرايس بالشكارمو ؟ راه غير صيدوك… وجمع راسك نتا راك ولد الرباط.. البحر ما فيهش النية الزايدة.”

ليست هذه الحكاية مجرد “مقلب” عابر، بل تعكس جانباً من الثقافة غير الرسمية التي تحكم الحياة فوق ظهر المراكب. إنها طقوس قاسية أحياناً، لكنها تُستخدم كوسيلة لقياس الذكاء الاجتماعي، والقدرة على الاندماج، وفهم الإشارات الخفية داخل مجتمع بحري مغلق.
في النهاية، يدرك كل “بواجدي” أن البحر لا يمنح الثقة بسهولة… وأن الضحك، مهما كان قاسياً، قد يكون أول درس حقيقي في مدرسة لا ترحم.

البحر مدرسة لا تشرح، بل تُلقّن. مدرسة تقول، بطريقتها الخاصة، إن الانتماء لا يُمنح… بل يُنتزع، وإن الثقة لا تُطلب… بل تُبنى، خطوة بخطوة، وموقفاً بعد موقف. في عالم الصيد البحري، قد يكون الضحك قاسياً… لكنه، في أحيان كثيرة، أول باب للدخول.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *