البحر أنفو – 26/04/2026 تلوث خفي يغيّر سلوك الأسماك… رصد “آثار الكوكايين” في السلمون الأطلسي يثير أسئلة بيئية جديدة متابعة:
في اكتشاف علمي لافت يعيد طرح إشكالية التلوث غير المرئي في الأنظمة المائية، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Current Biology بتاريخ 20 أبريل 2026، عن تأثيرات غير متوقعة لبقايا مخدر الكوكايين ومشتقاته على سلوك أسماك السلمون الأطلسي، ليس فقط داخل المختبرات، بل في بيئة طبيعية مفتوحة.
الدراسة، التي تُعد الأولى من نوعها ميدانيًا، أُنجزت في بحيرة فاترن بالسويد، حيث تتبّع الباحثون 105 من صغار السلمون على مدى ثمانية أسابيع، في تجربة صُممت لمحاكاة مستويات التلوث الواقعية التي تصل إلى المياه عبر قنوات الصرف الصحي.

تجربة ميدانية تكشف ما لا يُرى
اعتمد الفريق العلمي على مقاربة مبتكرة، تمثلت في زرع كبسولات دقيقة داخل أجسام الأسماك، تقوم بإطلاق كميات ضئيلة ومدروسة من المواد الكيميائية بشكل تدريجي، بما يحاكي التعرض المزمن للملوثات. كما استخدم الباحثون أجهزة تتبع صوتية لرصد تحركات الأسماك بدقة داخل البحيرة، ما أتاح فهمًا معمقًا لسلوكها في بيئة طبيعية معقدة.
وقُسمت الأسماك إلى ثلاث مجموعات:
مجموعة غير معرضة لأي مواد
مجموعة تعرضت للكوكايين
ومجموعة ثالثة تعرضت لمادة بنزويل إيكغونين، وهي ناتج تحلل الكوكايين في الجسم أو البيئة، وتوجد بكثرة في مياه الصرف.
تغيّر في الحركة… واختلال في التوازن
أظهرت النتائج أن الأسماك المعرضة لهذه المواد لم تسلك أنماطها الطبيعية المعتادة، إذ قطعت مسافات أطول بنسبة تصل إلى 1.9 مرة مقارنة بغيرها، كما انتشرت على نطاق جغرافي أوسع داخل البحيرة، متجاوزة 12 كيلومترًا.
الأهم من ذلك، أن هذا التغير لم يكن ظرفيًا، بل تصاعد تدريجيًا مع مرور الوقت، ما يشير إلى تأثير تراكمي طويل الأمد. وهو ما يطرح، بحسب الباحثين، تحديات حقيقية على مستوى التوازن البيئي، إذ إن حركة الأسماك تلعب دورًا محوريًا في تحديد مناطق التغذية، وتفادي المفترسات، وتنظيم توزيع الأنواع داخل النظام البيئي.

مفاجأة علمية… المشتق أخطر من الأصل
من النتائج اللافتة أن مادة “بنزويل إيكغونين” أظهرت تأثيرًا أقوى من الكوكايين نفسه، وهو ما يعيد توجيه بوصلة البحث العلمي نحو ضرورة تقييم مخاطر نواتج التحلل الكيميائي، وليس فقط المواد الأصلية. فهذه المركبات الثانوية قد تكون أكثر استقرارًا وانتشارًا في البيئة، وبالتالي أكثر تأثيرًا على الكائنات الحية.
تلوث صامت… ومخاطر غير مباشرة
تسلط الدراسة الضوء على ظاهرة متنامية في الأنظمة المائية العالمية، تتمثل في تسرب بقايا الأدوية والمخدرات إلى الأنهار والبحيرات، عبر مياه الصرف التي لا تنجح محطات المعالجة دائمًا في تنقيتها بالكامل.
ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن هذه المعطيات لا تعني وجود خطر مباشر على صحة الإنسان من استهلاك الأسماك، نظرًا لانخفاض التركيزات المدروسة وقابليتها للتحلل. غير أن القلق يظل قائمًا على مستوى التأثيرات البيئية بعيدة المدى، خاصة ما يتعلق بسلوك الكائنات، وأنماط تكاثرها، واستقرار النظم البيئية.

نحو فهم أعمق للتلوث المعقّد
تفتح هذه الدراسة الباب أمام أسئلة علمية جديدة: إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه الملوثات الدقيقة على باقي الكائنات المائية؟ وهل يمكن أن تمتد آثارها لتشمل سلاسل غذائية كاملة؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن التحدي لم يعد يقتصر على التلوث المرئي، بل أصبح يشمل أيضًا مركبات كيميائية دقيقة، قادرة على إحداث تغييرات عميقة في سلوك الكائنات، دون أن تترك أثرًا واضحًا للعين المجردة… لكنها قد تعيد تشكيل توازن الطبيعة بصمت.

وكالات