البحر أنفو – 26/04/2026 أخطبوطات عملاقة تعيد رسم تاريخ البحار… كائنات لافقارية نافست مفترسات العصر الطباشيري.
في اكتشاف علمي يعيد تشكيل تصوراتنا عن الحياة البحرية القديمة، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Science عن احتمال وجود أخطبوطات عملاقة جابت محيطات الأرض خلال العصر الطباشيري،
بأحجام قد تصل إلى نحو 19 مترًا، ما يضعها ضمن أكبر الكائنات اللافقارية التي عرفتها البحار. هذا المعطى العلمي الجديد يقوّض الصورة التقليدية التي حصرت قمة السلسلة الغذائية في الزواحف البحرية الضخمة وأسماك القرش.
ويفتح الباب أمام قراءة أكثر تعقيدًا لتوازنات الأنظمة البيئية القديمة، حيث لم تكن الفقاريات وحدها اللاعب المهيمن.
حفريات نادرة… مفاتيح لفهم عالم مفقود
اعتمدت الدراسة على تحليل حفريات محدودة لفكوك أخطبوطات قديمة، عُثر عليها في تكوينات صخرية باليابان وكندا تعود إلى ما بين 145 و66 مليون سنة. ونظرًا للطبيعة الرخوة لجسم الأخطبوط، فإن فرص حفظه في السجل الأحفوري تظل ضئيلة للغاية، ما يجعل أي بقايا صلبة—كالفك—مصدرًا ثمينًا للمعرفة.
وقد أظهرت هذه الفكوك علامات تآكل عميقة وخدوش واضحة، تشير إلى استخدام مكثف وقوة عضّ عالية، وهي خصائص ترتبط عادة بالكائنات التي تتغذى على فرائس ذات هياكل صلبة، مثل القشريات والأسماك المدرعة.

أحجام استثنائية… وقدرات افتراس متقدمة
من خلال هذه الأدلة، قدّر الباحثون أن بعض الأنواع، من بينها Nanaimoteuthis hagarati، ربما تراوح طولها بين 6.6 و18.6 مترًا، وهو نطاق يضعها في مصاف أكبر مفترسات البحار في ذلك الزمن. ولا تقتصر أهمية الاكتشاف على الحجم فحسب، بل تمتد إلى السلوك؛ إذ لاحظ العلماء وجود تباين في تآكل الفك بين الجانبين، ما يشير إلى ما يُعرف بـالتحيز الجانبي، وهو سلوك يدل على تطور عصبي متقدم، ويُسجل لدى كائنات قادرة على اتخاذ قرارات معقدة أثناء الصيد.
سباق تطوري تحت الماء
تندرج هذه النتائج ضمن إطار أوسع يُعرف بـسباق التكيف، حيث تتطور المفترسات والفرائس بشكل متوازٍ؛ فبينما طورت بعض الكائنات أصدافًا صلبة للحماية، طورت هذه الأخطبوطات أدوات فعالة لاختراق تلك الدفاعات، مستفيدة من مرونتها العالية وقدرتها على المناورة. ويرى الباحثون أن هذه الكائنات ربما تخلّت عن الأصداف الصلبة التي كانت تميز أسلافها، مقابل اكتساب مزايا حركية وافتراسية، ما منحها قدرة أكبر على التكيف في بيئات بحرية تنافسية.
إعادة صياغة المشهد البيئي القديم
رغم أن الدراسة لا تجزم بأن هذه الأخطبوطات كانت المفترس الأعلى في جميع البيئات، فإنها تشير بوضوح إلى أنها لعبت دورًا أكثر تأثيرًا وتعقيدًا مما كان يُعتقد. فوجود لافقاريات بهذا الحجم وبهذه القدرات يعيد توزيع الأدوار داخل الشبكات الغذائية القديمة، ويكشف عن تنوع بيولوجي أكثر غنى مما تصوره العلماء سابقًا. في المحصلة، لا تقدم هذه الدراسة مجرد إضافة إلى سجل الأحافير، بل تفتح أفقًا جديدًا لفهم ديناميات الحياة في المحيطات القديمة، حيث لم تكن الهيمنة حكرًا على الكائنات ذات العمود الفقري، بل شاركتها كائنات ذكية ومرنة، استطاعت أن تنافس، بل وربما تتفوق، في سباق البقاء.