عاجل
29 أبريل 2026 على الساعة 21:43

غفغوف في مداخلة نارية يكشف المستور و يعرّي واقع الأبناك:“حيدو الكرافاطات ونزلو للتيران”..التاجر يدفع الثمن والتمويل غائب

البحر أنفو – 29/04/2026  في أجواء مشحونة بالنقاش الصريح والمسؤول، تحوّل المنتدى الوطني للتجارة المنعقد بمدينة مراكش إلى لحظة مكاشفة نادرة، حيث اختلطت لغة الأرقام بجرأة الميدان، وسقطت كثير من المساحيق التي اعتادت تغطية واقع قطاع يشتغل بنبض يومي لا يحتمل الانتظار.

لم يكن اللقاء مجرد محطة تنظيمية عادية، بل بدا وكأنه امتحان حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على ملامسة هموم التاجر المغربي، خصوصًا في القطاعات الحساسة التي تشتغل تحت ضغط الزمن والسيولة، وعلى رأسها تجارة السمك.

في هذا السياق، برز صوت عبد الحي غفغوف، عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين والمنسق الوطني لقطاع تجار السمك بالجملة، كأحد أكثر الأصوات حدة ووضوحًا، حيث اختار أن يتحدث بمنطق الواقع لا بمنطق المجاملة.

مداخلته لم تكن مجرد تعبير عن موقف، بل كانت أقرب إلى تفكيك صريح لعلاقة مختلة بين التاجر ومنظومة التمويل، علاقة ما تزال، حسب تعبيره، حبيسة نفس الخطاب منذ سنوات دون أثر ملموس على الأرض.

فبنبرة لا تخلو من استياء، ذكّر غفغوف عبد الحي بأن النقاش حول التمويل ليس وليد اليوم، بل يعود إلى ما قبل جائحة كورونا، حين كانت الأزمة عالمية والأنشطة متوقفة، ومع ذلك لم تُستخلص الدروس الكافية، ليجد المهني نفسه اليوم في 2026 أمام نفس العراقيل، ونفس الوعود المؤجلة.

غفغوف لم يتردد في ملامسة ما يعتبره الكثيرون “المسكوت عنه”، حين أشار إلى أن الولوج إلى القروض لا يتم دائمًا وفق القواعد المعلنة، وأن الواقع يفرض مسارات موازية تُثقل كاهل التاجر وتفقد العملية برمتها معناها الاقتصادي. وفي لحظة اختزل فيها المشهد بكثير من الدقة، اعتبر أن التمويل في شكله الحالي لا يعكس شراكة حقيقية، بل يظل أقرب إلى معادلة مختلة، يُطلب فيها من التاجر أن يتحمل المخاطر كاملة، دون أن يجد المواكبة اللازمة من المؤسسات البنكية.

هذا الطرح يكتسب ثقله أكثر حين يوضع في سياق خصوصية قطاع تجارة السمك، الذي يشتغل بمنطق السرعة والدوران المستمر. فالأرقام التي قدمها غفغوف لم تكن مجرد معطيات عابرة، بل مؤشرات على حجم الرهان، حيث تحدث عن معاملات مالية تصل إلى 25 مليون درهم في ظرف ساعات قليلة داخل أسواق الجملة، من أجل ضمان تزويد الأسواق الوطنية.

في مثل هذا النموذج الاقتصادي، لا مجال للتأخير ولا مساحة لهوامش مالية ضيقة، لأن أي تعثر في السيولة قد يعني ببساطة توقف سلسلة كاملة، تبدأ من الميناء ولا تنتهي إلا عند المستهلك. من هنا، يتحول مطلب التمويل من رفاه اقتصادي إلى ضرورة بنيوية، ويصبح الحديث عن القروض الكلاسيكية غير كافٍ لفهم طبيعة الإشكال.

فالتاجر، كما جاء في المداخلة، لا يحتاج فقط إلى قرض، بل إلى نظام تمويلي مرن يواكب إيقاع نشاطه، ويعترف بخصوصيته، خاصة في ما يتعلق بسرعة تداول السلع وقابليتها للتلف. هذه الزاوية بالذات تطرح سؤالًا أعمق حول مدى قدرة المنظومة البنكية على التكيف مع الاقتصاد الحقيقي، بدل الاكتفاء بإسقاط نماذج جاهزة لا تراعي الفوارق القطاعية.

ورغم حدة النقد، لم تغب الإشارات الإيجابية، حيث تم التنويه بحضور مسؤولي وزارة الصناعة والتجارة في مختلف ورشات المنتدى، وهو حضور اعتُبر مؤشرًا على وجود إرادة للاستماع، على الأقل في هذه المرحلة. غير أن الرهان الحقيقي، كما يفهم من مجمل المداخلة، لا يكمن في حسن الإنصات بقدر ما يكمن في ترجمة هذا الإنصات إلى قرارات عملية، تُبنى على ما تم تداوله داخل الورشات، خاصة تلك المرتبطة بالتثمين والرقمنة، والتي يُفترض أن تشكل مدخلًا لتحديث القطاع ورفع مردوديته.

في العمق، تعكس هذه اللحظة نوعًا من التحول في خطاب المهنيين، من موقع المطالبة إلى موقع فرض النقاش، ومن انتظار الحلول إلى الدفع نحو إعادة صياغة قواعد اللعبة. وهي رسالة واضحة مفادها أن زمن التبرير قد انتهى، وأن الاستمرار في إنتاج نفس الأدوات لمواجهة تحديات متغيرة لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السياسات والواقع.

وبين هذا وذاك، تبقى تجارة السمك نموذجًا صارخًا لقطاع يملك من الدينامية ما يؤهله ليكون رافعة اقتصادية حقيقية، لكنه في المقابل يظل في حاجة ماسة إلى التفاتة جادة من الجهات الوصية، التفاتة لا تكتفي بالتشخيص، بل تُترجم إلى آليات تمويل عادلة، سريعة، ومنسجمة مع منطق الميدان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *