عاجل
5 مايو 2026 على الساعة 21:59

تقرير المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري يدق ناقوس الخطر: مصايد الأربيان بالمغرب على حافة الاستنزاف

البحر أنفو – 05/05/2026 في قراءة علمية دقيقة لواقع أحد أهم الموارد البحرية ذات القيمة التجارية المرتفعة، كشف المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري خلال عرض قدمه في أبريل 2026 عن ملامح وضعية مقلقة لمصايد الأربيان بالمغرب، واضعًا أمام صناع القرار والمهنيين معطيات محينة تعكس اختلالات بنيوية عميقة، رغم ما يبدو ظاهريًا من تحسن في حجم الإنتاج.
وأفاد التقرير بأن الأربيان الوردي يواصل فرض هيمنته شبه المطلقة على المصطادات الوطنية، سواء على مستوى الواجهة الأطلسية أو البحر الأبيض المتوسط، حيث يمثل النسبة الأكبر من الكميات المفرغة، ويحتل موقع الصدارة من حيث القيمة الاقتصادية. غير أن هذه الهيمنة تخفي تحديًا علميًا حقيقيًا يتمثل في صعوبة التمييز الدقيق بين الأنواع المتقاربة من حيث الخصائص المورفولوجية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة البيانات الإحصائية ويحد من دقة التقييمات المعتمدة في تدبير هذا المورد.
وعلى مستوى المؤشرات الكمية، سجل إنتاج الأربيان الوردي سنة 2025 حوالي 9707 أطنان، في منحى تصاعدي مقارنة بالسنوات السابقة، غير أن هذا التطور يخفي تراجعًا حادًا في مردودية المصايد، خاصة في أعالي البحار، حيث أظهرت المعطيات انخفاضًا لافتًا في الإنتاجية منذ مطلع الألفية. وفي المقابل، برزت بوادر انتعاش نسبي في المصايد الساحلية على مستوى الواجهة الأطلسية، لاسيما خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، بينما عرفت المصايد المتوسطية تراجعًا في الإنتاجية يعكس ضغطًا متزايدًا على المخزون وتراجعًا في وفرة المورد.


كما أبرزت نتائج حملات التقييم المباشر لسنة 2025 وجود تباين مجالي واضح في توزيع الأربيان، حيث تم تسجيل مناطق حضانة ونمو تهيمن فيها الأحجام الصغيرة، خاصة في بعض النقط الساحلية، مقابل مناطق أخرى يغلب عليها وجود الأحجام التجارية. وتكشف هذه المعطيات عن دينامية بيولوجية معقدة، تتسم بحركية موسمية مرتبطة بهجرة الأفراد نحو المناطق الساحلية خلال فترات معينة، وهو ما يفرض مقاربة تدبيرية دقيقة تراعي الخصوصيات المجالية والزمنية لهذا المورد.
غير أن الخلاصة الأبرز التي خلص إليها التشخيص العلمي تتمثل في استمرار هشاشة المخزون، خصوصًا على مستوى الواجهة الأطلسية، حيث تبقى الكتلة الحية الحالية دون المستوى الكفيل بضمان توازن بيولوجي مستدام، في ظل استمرار ضغط الصيد. وفي المقابل، ورغم تسجيل تحسن نسبي في وضعية المصايد المتوسطية منذ سنة 2023، فإن هذا التحسن ترافق مع تغيرات مقلقة في بنية النظام البيئي البحري، من بينها بروز اختلالات في السلسلة الغذائية نتيجة تراجع بعض الأنواع المفترسة، وهو ما يعكس تحولاً في التوازنات الطبيعية داخل المنظومة البحرية.
ويعزو المعهد هذه الوضعية إلى تداخل عدة عوامل، في مقدمتها الاستغلال المفرط، وتدهور المواطن البحرية، والضغط المتزايد على المناطق الساحلية، إلى جانب التأثيرات المتنامية للتغيرات المناخية، خاصة ارتفاع درجات حرارة المياه وتفاقم مستويات التلوث، وهي عوامل تسرّع من وتيرة استنزاف الموارد وتحد من قدرتها على التجدد.


وفي مواجهة هذه التحديات، دعا المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري إلى اعتماد حزمة من التدابير الاستعجالية لإعادة التوازن إلى المصايد وضمان استدامتها، من بينها تحديد الحجم الأدنى القانوني لصيد الأربيان، وفرض استخدام شباك ذات فتحات أوسع لتحسين انتقائية المصيد وتقليص صيد الأفراد الصغيرة، إلى جانب إقرار فترات راحة بيولوجية موسمية موزعة حسب الخصوصيات الجغرافية، وتقييد أنشطة الصيد في بعض المناطق الحساسة.
كما شدد التقرير على ضرورة تعزيز التدابير التقنية المرتبطة بالمصايد المصاحبة، خاصة ما يتعلق بالأنواع القاعية مثل النازلي، عبر اعتماد تجهيزات تحد من صيد الصغار، فضلاً عن تحديد مسافات دنيا للصيد الساحلي لحماية النظم البيئية الهشة القريبة من الشاطئ.
وفي بعده المؤسساتي، أكد المعهد أن نجاح هذه الإجراءات يظل رهينًا بإرساء حكامة تشاركية فعالة، تقوم على إشراك المهنيين في آليات التتبع والمراقبة، وتعزيز دور اللجان المحلية في اتخاذ قرارات تكيفية مبنية على المعطيات العلمية، مع تبني مقاربات حديثة من قبيل “الصيد الحارس” كآلية لتعزيز الامتثال وتحقيق الاستدامة.
وبين مؤشرات التحسن الظرفي ومظاهر الاختلال البنيوي، تضع هذه الخلاصات مصايد الأربيان بالمغرب أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد الرهان مقتصرًا على تعظيم الإنتاج، بل بات يرتكز أساسًا على ضمان استدامة المورد في إطار توازن دقيق بين متطلبات الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على الثروات البحرية للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *