البحر أنفو – 15/05/2026 يشهد مشروع القانون الجديد المتعلق بالنظام الأساسي لغرف الصيد البحري نقاشاً مهنياً ومؤسساتياً متواصلاً داخل الأوساط البحرية بالمغرب، في ظل تزايد الدعوات إلى بلورة تصور أكثر وضوحاً ونجاعة لدور هذه المؤسسات المهنية، بما ينسجم مع التحولات العميقة التي يعرفها قطاع الصيد البحري وتحديات الاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة.
ويأتي هذا المشروع في سياق التوجه نحو مراجعة الإطار القانوني المؤطر لغرف الصيد البحري، من خلال تعويض القانون رقم 4.97 المعمول به منذ سنوات، بهدف تحديث آليات اشتغال الغرف وتعزيز مساهمتها في مواكبة الدينامية التي يعرفها القطاع البحري على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية.
غير أن عدداً من المهنيين والباحثين في الشأن البحري يعتبرون أن النص المقترح، رغم ما يحمله من مؤشرات تحديث، مازال يطرح مجموعة من التساؤلات المرتبطة بطبيعة الاختصاصات المخولة لغرف الصيد البحري وحدود أدوارها المؤسساتية، خاصة في ما يتعلق بالتوازن بين الوظيفة الاستشارية والقدرة على التدخل العملي والميداني.
وفي هذا السياق، يرى محمد العطلاتي، الباحث في تدبير الشأن المحلي بطنجة، أن المشروع لم يحسم بشكل دقيق في تحديد الوظيفة الجوهرية لغرف الصيد البحري، مبرزاً أن بعض المقتضيات الواردة فيه مازالت تجمع بين أدوار ذات طبيعة استشارية ومهام تقترب من العمل التمثيلي أو المطلبي، وهو ما يستدعي، بحسب تعبيره، مزيداً من التدقيق في الصياغة القانونية والمؤسساتية للنص.
وأوضح العطلاتي أن المشروع يعتمد في عدد من مواده على مفاهيم عامة من قبيل “المساهمة” و”المواكبة” و”الدعم” و”المشاركة”، وهي عبارات تظل، من وجهة نظره، بحاجة إلى تحديد أدق للآليات التنفيذية والاختصاصات العملية المرتبطة بها، بما يضمن وضوح المسؤوليات وقابلية التنزيل الميداني.
كما يرى عدد من المتابعين أن المشروع حافظ إلى حد كبير على الطابع الاستشاري لغرف الصيد البحري، من خلال تركيزه على تقديم الآراء والمقترحات والمشاركة في إعداد التصورات المرتبطة بالقطاع، دون منح هذه المؤسسات صلاحيات تقريرية أو تنفيذية أوسع تمكنها من لعب أدوار أكثر فعالية في مواكبة الإشكالات اليومية التي تواجه المهنيين.
وفي الجانب المرتبط بالاختصاصات القطاعية، أثيرت تساؤلات حول كيفية تنزيل بعض المهام المرتبطة بدعم البحث العلمي البحري، وتشجيع الاستثمار، وتأطير التعاونيات المهنية، ومواكبة عمليات التسويق والتثمين، حيث يعتبر عدد من الفاعلين أن هذه المجالات تتطلب توضيحاً أكبر للإمكانيات القانونية والمالية والموارد البشرية الكفيلة بتحويل الأهداف المعلنة إلى برامج قابلة للتنفيذ.
وعلى المستوى التنظيمي، برز نقاش مهني حول المقتضيات المتعلقة بإحداث مديريات داخل الغرف البحرية وتعيين مديرين مكلفين بالتسيير الإداري والمالي وتنفيذ مقررات الأجهزة المنتخبة، في ظل استمرار ارتباط هذه التعيينات بموافقة سلطة الوصاية، وهو ما يفتح، وفق عدد من المتابعين، نقاشاً أوسع حول حدود الاستقلال الإداري وآليات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل هذه المؤسسات.
كما أثار المشروع نقاشاً آخر يتعلق بتقليص عدد دورات الجمعيات العامة إلى دورتين عاديتين سنوياً، مقابل تمديد مدة انتداب الرؤساء والمكاتب المسيرة إلى ست سنوات، حيث ترى بعض الهيئات المهنية أن هذه المقتضيات تستدعي التفكير في آليات إضافية تضمن استمرارية النقاش الداخلي وتتبع تنفيذ البرامج وتعزيز دينامية التقييم والمساءلة المؤسساتية.
وفي ما يخص التمثيلية المهنية، تتواصل الدعوات داخل عدد من الأوساط البحرية نحو مراجعة تركيبة الغرف بما يضمن حضوراً أوسع لمهنيي الصيد التقليدي، بالنظر إلى الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يضطلع به هذا النشاط داخل العديد من الموانئ والقرى الساحلية، وكذا بالنظر إلى حجمه داخل النسيج البحري الوطني من حيث عدد البحارة والقوارب والأنشطة المرتبطة به.
كما تدعو فعاليات مهنية إلى توسيع قاعدة التمثيلية داخل الغرف البحرية لتشمل فئات ومهن بحرية أخرى مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتثمين والتسويق والخدمات البحرية، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها الاقتصاد البحري وتطور المهن المرتبطة به.
وعلى المستوى المالي، يرى عدد من المتابعين أن الموارد المقترحة ضمن المشروع، رغم تنوعها بين الإعانات والاشتراكات والهبات والقروض، مازالت تطرح تحديات مرتبطة بمدى قدرة الغرف على تحقيق استقلال مالي فعلي يمكنها من إطلاق برامج تنموية مستدامة وتقديم خدمات مهنية ذات أثر ملموس، خاصة في ظل استمرار اعتمادها الكبير على التحويلات العمومية.
كما عاد إلى الواجهة النقاش القانوني المرتبط باستمرار إلزام غرف الصيد البحري بالانتظام ضمن جامعة غرف الصيد البحري الخاضعة لقانون الجمعيات، وهو ما يعتبره بعض المهتمين بالشأن القانوني نقطة تستدعي مزيداً من التوضيح انسجاماً مع الطبيعة المؤسساتية للغرف باعتبارها مؤسسات عمومية مهنية.
ويجمع عدد من الفاعلين والمهنيين على أن المرحلة الحالية تفرض مراجعة شاملة وعميقة لمنظومة غرف الصيد البحري، بما يتيح تطوير أدوارها التأطيرية والاستشارية والتنموية، ويعزز تمثيليتها المهنية، ويمكنها من مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع، سواء على مستوى تدبير المصايد البحرية، أو تثمين المنتوجات، أو تحسين الأوضاع الاجتماعية للبحارة، أو مواكبة رهانات التنمية المستدامة والاقتصاد الأزرق بالمغرب.