عاجل
1 يونيو 2026 على الساعة 16:59

ناقلات الغاز المسال أمام اختبار البقاء.. السفن القديمة تدفع ثمن الانبعاثات

البحر أنفو – 01/06/2026 انقسام داخل أسطول ناقلات الغاز الطبيعي المسال.. التشريعات الأوروبية الجديدة تعيد رسم خريطة المنافسة البحرية متابعة:

بدأت ملامح انقسام واضح تتشكل داخل الأسطول العالمي لناقلات الغاز الطبيعي المسال، في ظل تشديد القواعد الأوروبية الخاصة بخفض الانبعاثات الكربونية، وهو ما يهدد بإعادة رسم الاقتصاد التشغيلي لهذا النوع من السفن خلال السنوات المقبلة، وفق تحليل حديث صادر عن مؤسسة وود ماكنزي المتخصصة في دراسات الطاقة والنقل البحري.

ويشير التقرير إلى أن تكنولوجيا المحركات أصبحت اليوم العامل الحاسم في تحديد القدرة التنافسية لناقلات الغاز الطبيعي المسال، حيث تتجه الأسواق تدريجياً نحو تفضيل السفن الحديثة منخفضة الانبعاثات، في حين تواجه السفن الأقدم تكاليف امتثال متزايدة قد تدفع إلى تسريع عمليات سحبها من الخدمة أو تحويلها إلى استخدامات أخرى.

ويأتي هذا التحول في سياق تزايد الضغوط التنظيمية التي يتعرض لها قطاع النقل البحري العالمي، نتيجة تداخل مجموعة من الأنظمة البيئية الجديدة، من بينها نظام الاتحاد الأوروبي لتجارة الانبعاثات (EU ETS)، ومبادرة FuelEU Maritime، والإطار المقترح للحياد الكربوني من قبل المنظمة البحرية الدولية، إضافة إلى مؤشر كثافة الكربون (CII) ومؤشر كفاءة الطاقة للسفن القائمة (EEXI).

وترى وود ماكنزي أن التأثير التراكمي لهذه التشريعات بدأ يخلق فجوة متنامية بين فئات السفن المختلفة، إذ تتمتع الناقلات الحديثة المزودة بمحركات من نوع ME-GI بمعدلات أقل لانبعاثات غاز الميثان، ما يمنحها ميزة تنافسية واضحة ويقلص تكاليف امتثالها للمعايير البيئية الأوروبية.

في المقابل، تواجه السفن الأقدم، خاصة تلك العاملة بمحركات الديزل الكهربائية ثنائية الوقود (DFDE) أو التوربينات البخارية، أعباء مالية متزايدة نتيجة ارتفاع مستويات الانبعاثات المرتبطة بتشغيلها، الأمر الذي يضعف قدرتها على المنافسة في سوق الشحن البحري.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بعد دخول المرحلة الكاملة من نظام الاتحاد الأوروبي لتجارة الانبعاثات حيز التطبيق مطلع سنة 2026، حيث أصبح النظام يشمل 100 في المائة من الانبعاثات الخاضعة للمراقبة، مع توسيع نطاقه ليشمل غاز الميثان وأكسيد النيتروز إلى جانب ثاني أكسيد الكربون.

ويعد تسرب الميثان من أبرز التحديات التشغيلية التي تواجه ناقلات الغاز الطبيعي المسال، غير أن هذا التحدي تحول اليوم إلى تكلفة مالية مباشرة، بعدما أصبحت الانبعاثات المرتبطة به خاضعة لآليات التسعير الأوروبية للكربون.

وتحذر وود ماكنزي من أن ناقلات الغاز الطبيعي المسال المزودة بمحركات DFDE العاملة على الخطوط الأوروبية قد تجد نفسها في وضعية تجارية صعبة مع نهاية العقد الحالي، حيث يمكن أن تصبح أقل جاذبية بالنسبة للمستأجرين وشركات الشحن بسبب ارتفاع تكاليف الامتثال البيئي.

وتقدر المؤسسة أن التأثير المشترك لنظام EU ETS ومبادرة FuelEU Maritime قد يرفع التكلفة الفعلية لاستخدام الوقود منخفض الكبريت إلى نحو 1256 دولاراً للطن بحلول عام 2030، مقارنة بحوالي 705 دولارات للطن وفق السيناريو المرتبط بالإطار المقترح للمنظمة البحرية الدولية.

وفي الوقت الذي كانت فيه السفن العاملة بالتوربينات البخارية تُعتبر منذ سنوات المرشح الأبرز للخروج من الخدمة بسبب استهلاكها المرتفع للوقود، يرى التقرير أن الضغوط التنظيمية أصبحت اليوم تستهدف أيضاً سفن DFDE التي كانت تُصنف سابقاً ضمن الخيارات الأقل انبعاثاً.

غير أن مستقبل هذه السفن قد لا يكون بالضرورة في ساحات التفكيك، إذ ترجح وود ماكنزي إمكانية تحويل عدد مهم منها إلى وحدات عائمة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه (FSRU)، وهو ما قد يمنحها فرصة جديدة للاستمرار في الخدمة ضمن منظومة الطاقة العالمية.

وفي الأفق القريب، تترقب الصناعة البحرية محطة حاسمة خلال شهر دجنبر المقبل، عندما يجتمع ممثلو الدول الأعضاء في المنظمة البحرية الدولية للتصويت على اعتماد الإطار العالمي للحياد الكربوني خلال الدورة الخامسة والثمانين للجنة حماية البيئة البحرية.

ويحظى هذا التصويت بأهمية استثنائية، بالنظر إلى كونه سيحدد إلى حد بعيد شكل البيئة التنظيمية التي ستعمل ضمنها ناقلات الغاز الطبيعي المسال خلال العقود المقبلة.

ففي حال اعتماد الإطار المقترح واعتراف الاتحاد الأوروبي بتوافقه مع أهداف اتفاق باريس للمناخ، فإن القطاع قد يتجه نحو منظومة امتثال أكثر توحيداً وتبسيطاً. أما في حال تعثر اعتماده، فإن شركات النقل البحري ستجد نفسها أمام واقع تنظيمي معقد تفرضه مجموعة من القواعد الدولية والإقليمية المتداخلة.

ورغم هذه التحديات، لا يزال الغاز الطبيعي المسال يحتفظ بمكانته كأبرز وقود بديل معتمد في قطاع الملاحة البحرية العابرة للمحيطات، كما تواصل شركات الشحن العالمية استثماراتها في بناء سفن جديدة تعمل بهذا الوقود.

وترى وود ماكنزي أن الغاز الطبيعي المسال سيظل الخيار الأكثر تنافسية من الناحية الاقتصادية بالنسبة للنقل البحري حتى منتصف ثلاثينيات القرن الحالي على الأقل، غير أن مستقبل هذه الأفضلية سيبقى رهيناً بتطور التقنيات البحرية، ومسار التشريعات البيئية الدولية، ومدى توفر أنواع الوقود منخفضة الكربون، وعلى رأسها الغاز الطبيعي المسال الحيوي.

وفي ظل هذا التحول المتسارع، يبدو أن معركة الامتثال البيئي لم تعد مجرد قضية تنظيمية، بل أصبحت عاملاً استراتيجياً يعيد رسم موازين المنافسة داخل أسطول الغاز الطبيعي المسال العالمي، ويفرض على الملاك والمشغلين خيارات استثمارية حاسمة ستحدد شكل الصناعة البحرية في العقود القادمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *