البحر أنفو – 02/06/2026 قرى الصيد بالداخلة.. لماذا عادت إلى الواجهة في هذا التوقيت بالذات؟
يبدو أن ملف قرى الصيد بجهة الداخلة – وادي الذهب عاد من جديد إلى واجهة الاهتمام المؤسساتي، بعد برمجة دورة استثنائية لمجلس الجهة يوم 9 يونيو المقبل لمناقشة اتفاقية شراكة جديدة تروم توفير التمويلات اللازمة لاستكمال وإنجاز هذا البرنامج الذي ظل لسنوات ضمن الأوراش المفتوحة بالمنطقة.
ظاهرياً، يتعلق الأمر بمشروع تنموي يندرج في إطار دعم الاقتصاد الأزرق وتطوير البنيات التحتية البحرية وتحسين ظروف اشتغال البحارة والمهنيين. لكن سياسياً، يطرح توقيت إعادة إحياء الملف أكثر من علامة استفهام، خاصة أن عدداً من هذه القرى ظل لسنوات ينتظر استكمال مرافقه وتجهيزاته الأساسية دون أن يحظى بنفس الزخم الذي يحظى به اليوم.
فلماذا الآن؟
هل يتعلق الأمر فعلاً بمرحلة جديدة من تنزيل المشاريع التنموية المرتبطة بالبحر؟ أم أن قرى الصيد تحولت إلى ورقة ذات أبعاد تتجاوز الجانب التنموي نحو حسابات التموقع السياسي وإعادة ترتيب موازين القوى داخل واحدة من أكثر الجهات حساسية من الناحية الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان حول الأهمية الاستراتيجية لقرى الصيد. فهي ليست مجرد تجمعات مهنية على الساحل، بل فضاءات تؤوي آلاف البحارة والعمال وأسرهم، وتشكل مراكز حيوية مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتسويق والخدمات اللوجستية. كما أنها تمثل خزانا بشريا واجتماعيا له وزنه داخل المعادلات الانتخابية والمهنية.
ومن هذا المنطلق، تبدو أي مبادرة تستهدف هذه القرى أكثر من مجرد مشروع للبناء والتجهيز. فحين تتدفق الاستثمارات وتتحسن الخدمات وتتحرك المشاريع المتوقفة، فإن الرسائل لا تكون اقتصادية فقط، بل تمتد إلى المجال الاجتماعي والسياسي أيضاً.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت قرى الصيد أصبحت تشكل “مشتلاً انتخابياً” قادراً على التأثير في موازين القوى بين الفاعلين والمتنافسين على مواقع القرار داخل الجهة وخارجها؟
فالتجارب السابقة أظهرت أن المجالات المرتبطة بالصيد البحري ليست مجرد قطاعات إنتاجية، بل فضاءات تنتج بدورها شبكات من العلاقات والمصالح والتمثيليات المهنية، وهي عناصر غالباً ما تتحول إلى أوراق مؤثرة في مختلف الاستحقاقات.
وإذا كانت التنمية الحقيقية تقاس بمدى استدامة المشاريع وقدرتها على تحسين حياة المواطنين، فإن الرهان اليوم لا يجب أن ينحصر في ضخ اعتمادات مالية جديدة أو الإعلان عن اتفاقيات إضافية، بل في الإجابة عن سؤال جوهري: لماذا تأخر استكمال هذه القرى أصلاً؟ وما الضمانات التي تجعل هذه الوعود قابلة للتنزيل الفعلي على أرض الواقع؟

كما أن المهنيين يتساءلون بدورهم عما إذا كانت هذه المشاريع ستنعكس فعلاً على تحسين ظروف العيش والعمل داخل قرى الصيد، أم أنها ستبقى مجرد عناوين كبيرة تستهلك في التقارير والدورات الرسمية دون أن تغير واقع البحارة والعاملين الذين ينتظرون منذ سنوات خدمات أساسية ومرافق حيوية.
بين الرهان التنموي والحسابات السياسية، تعود قرى الصيد إلى قلب النقاش العمومي بالداخلة. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام انطلاقة حقيقية لورش طال انتظاره، أم أمام مرحلة جديدة من إعادة تموقع الفاعلين حول فضاءات باتت تدرك جميع الأطراف أنها تملك ثقلاً اقتصادياً واجتماعياً قد يتحول في أي لحظة إلى وزن سياسي مؤثر؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.