البحر أنفو – 23/06/2026 الاضطرابات الجيوسياسية تتصدر مخاطر الشحن البحري العالمي للسنة الرابعة على التوالي متابعة:
كشفت نتائج أحدث تقرير لـ”مؤشر النقل البحري” الصادر عن الغرفة الدولية للملاحة البحرية (ICS) أن الاضطرابات الجيوسياسية ما تزال تمثل التهديد الأكبر الذي يواجه صناعة الشحن البحري العالمية، وذلك للسنة الرابعة على التوالي، في ظل تصاعد التوترات السياسية الدولية وما تفرضه من تحديات متزايدة على حركة التجارة والنقل البحري عبر العالم.
واعتمد التقرير، الذي استند إلى آراء 185 من كبار المسؤولين التنفيذيين في القطاع البحري، تصنيف عدم الاستقرار السياسي كأكبر خطر يهدد الصناعة البحرية، متقدماً على الهجمات السيبرانية والتشريعات الإقليمية المتباينة والأعباء الإدارية والعوائق التجارية.
وأكد التقرير أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد مجرد عامل مستقل، بل تحولت إلى ما يشبه “مضاعف المخاطر”، إذ تؤدي إلى تفاقم تحديات أخرى مرتبطة بالأمن السيبراني، والامتثال التنظيمي، والتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، اعتبر رئيس الغرفة الدولية للملاحة البحرية، جون دينهولم، أن “عدم الاستقرار الجيوسياسي أصبح عاملاً حاسماً يؤثر في كل شيء، من ظروف السوق إلى التخطيط التشغيلي للشركات البحرية”.
ويكتسي هذا التقييم أهمية خاصة بالنظر إلى أن غالبية المشاركين في الاستطلاع أدلوا بآرائهم قبل اندلاع الأزمة الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط مطلع سنة 2026، ما يعني أن التداعيات الأخيرة للصراعات الإقليمية لم تكن قد انعكست بالكامل على نتائج الدراسة، وهو ما يرجح ارتفاع منسوب القلق داخل القطاع خلال الفترة المقبلة.
وأشار التقرير إلى أن مسؤولي شركات الشحن أصبحوا ينظرون إلى بيئة العمل الحالية باعتبارها فضاءً تتشابك فيه المخاطر وتتراكم بشكل متزامن، حيث تؤدي القيود التجارية إلى إعادة رسم مسارات تدفق البضائع، فيما تساهم الاختلافات التنظيمية بين الدول في زيادة التعقيد الإداري والتشغيلي، بالتوازي مع تنامي التهديدات السيبرانية المرتبطة بالتوترات السياسية العالمية.
وجاء الأمن السيبراني في المرتبة الثانية ضمن قائمة المخاطر الرئيسية، رغم الاستثمارات الكبيرة التي ضختها الشركات لتعزيز أنظمتها الدفاعية. غير أن مستوى الثقة في القدرة على مواجهة الهجمات الإلكترونية لا يزال محدوداً، خاصة مع التوسع المتسارع في استخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي والسفن الذكية والأنظمة اللوجستية المتصلة رقمياً.
كما أبدى الفاعلون في القطاع مخاوف متزايدة من تنامي التشريعات الإقليمية والأحادية الجانب، التي احتلت المرتبة الثالثة بين أبرز المخاطر، حيث تفرض المنافسة الجيوسياسية بين الدول مزيداً من التشتت التنظيمي، وتدفع شركات الشحن إلى التعامل مع منظومات متباينة من القوانين المتعلقة بالانبعاثات والقيود التجارية ومتطلبات الامتثال.
وفي المرتبة الرابعة، برزت الأعباء الإدارية المتزايدة كأحد التحديات الكبرى التي تواجه المشغلين البحريين، نتيجة تشديد إجراءات الامتثال للعقوبات الاقتصادية، وتزايد متطلبات الإبلاغ البيئي، وتعقيد معايير تأهيل الأطقم البحرية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على التكاليف التشغيلية.
وعلى مستوى التحول الطاقي وإزالة الكربون، أظهر التقرير أن القطاع يتبنى مقاربة واقعية وحذرة في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والتنظيمي. فقد تصدر الغاز الطبيعي المسال والوقود الحيوي قائمة الخيارات الأكثر قابلية للتطبيق خلال العقد المقبل، إلى جانب الاعتماد على الوقود التقليدي الثقيل المدعوم بتقنيات خفض الانبعاثات، في إشارة إلى تفضيل الشركات للحلول التي تتوفر على بنية تحتية قائمة وسلاسل إمداد مستقرة.
وسجل التقرير أن التنظيمات والقوانين تظل العامل الأكثر تأثيراً في القرارات التشغيلية والاستثمارية لشركات النقل البحري، بينما اعتُبرت آليات التسعير الكربوني وبرامج التمويل العمومي عناصر أساسية لإنجاح الانتقال الطاقي، رغم استمرار الشكوك بشأن استمرارية وفعالية الدعم الحكومي المخصص لهذا المجال.
كما سلطت الدراسة الضوء على تأثير التأخر الحاصل في مفاوضات المنظمة البحرية الدولية بشأن إطار “صافي الانبعاثات الصفري”، حيث أكد نحو 58 في المائة من المشاركين أنهم لم يغيروا خططهم المتعلقة بإزالة الكربون، في حين أوقفت أو عدلت شركات أخرى بعض مشاريعها في انتظار وضوح أكبر للرؤية التنظيمية.
وخلصت الغرفة الدولية للملاحة البحرية إلى أن شركات الشحن باتت تضع تعزيز المرونة التشغيلية واستمرارية الأعمال في صدارة أولوياتها، مفضلة إدارة المخاطر والتكيف مع بيئة عالمية متقلبة على الانخراط في تحولات جذرية سريعة قد تفتقر إلى الضمانات الاقتصادية والتنظيمية اللازمة.
وفي عالم تتزايد فيه الأزمات والصراعات وتتعقد فيه سلاسل التجارة الدولية، يبدو أن صناعة الشحن البحري تدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: إدارة عدم اليقين وبناء القدرة على الصمود أمام المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة







