عاجل
23 يونيو 2026 على الساعة 10:19

اكتشاف أكبر وأعمق مقبرة للحيتان في العالم.. أرشيف طبيعي يوثق خمسة ملايين سنة من تاريخ المحيطات

البحر أنفو – 23/06/2026 اكتشاف أكبر وأعمق مقبرة للحيتان في العالم.. أرشيف طبيعي يوثق خمسة ملايين سنة من تاريخ المحيطات متابعة:

في واحدة من أكثر الاكتشافات العلمية إثارة خلال العقود الأخيرة، أعلن فريق دولي من الباحثين عن العثور على أكبر وأعمق وأقدم مقبرة للحيتان تم توثيقها على الإطلاق في أعماق المحيط الهندي، حيث تم رصد مئات الهياكل العظمية والأحفوريات التي يعود عمر بعضها إلى أكثر من خمسة ملايين سنة، في كشف علمي استثنائي من شأنه أن يعيد رسم معالم فهم العلماء للحياة في البيئات البحرية السحيقة.

وجاء هذا الاكتشاف غير المسبوق خلال بعثة استكشافية نفذها علماء من الأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة بيزا الإيطالية والمعهد الوطني النيوزيلندي لأبحاث المياه والغلاف الجوي، على متن الغواصة البحثية العميقة “آر/في فندوتشه”، التي توجهت إلى منطقة ديامانتينا النائية بالمحيط الهندي، وهي منطقة جيولوجية معقدة تشكلت قبل ملايين السنين نتيجة انفصال الكتلتين القاريتين الأسترالية والقطبية الجنوبية.

وخلال 32 عملية غوص علمية، تمكن الباحثون من توثيق ما لا يقل عن 485 موقعاً يحتوي على بقايا وأحفوريات لحيتان، إضافة إلى خمس جثث حديثة نسبياً ما تزال في مراحل التحلل البيولوجي. وتمتد هذه المقبرة العملاقة على طول يقارب 1200 كيلومتر من قاع المحيط، وعلى أعماق تتراوح بين 4200 و7000 متر، ما يجعلها أعمق موقع معروف لتجمع بقايا الحيتان في العالم.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود كثافة استثنائية لبقايا الحيتان داخل المنطقة المدروسة، حيث قدر العلماء عدد الهياكل العظمية بنحو 760 فرداً في الكيلومتر المربع الواحد، وهو رقم غير مسبوق أثار اهتمام الباحثين الذين يسعون إلى فهم الأسباب الكامنة وراء تركز هذا العدد الهائل من الكائنات البحرية العملاقة في نطاق جغرافي محدود.

ويرجح العلماء أن الطبيعة الطبوغرافية الفريدة لمنطقة ديامانتينا لعبت دوراً أساسياً في تشكل هذه المقبرة الطبيعية، إذ تشكل الأخاديد العميقة على هيئة حرف “V” مناطق جذب للحيتان المنقارية التي تغوص بحثاً عن الحبار والأسماك العميقة. غير أن هذه الرحلات الغذائية الخطرة قد تتحول إلى مصيدة مميتة، حيث يؤدي الإجهاد الفيزيولوجي أو فقدان القدرة على الصعود إلى نفوق الحيتان واستقرار جثثها في قاع المحيط.

وتوضح الدراسة أن الحيتان المنقارية تبلغ حدودها القصوى في الغوص عند أعماق تتجاوز ثلاثة آلاف متر، وهو ما يعرضها لمخاطر كبيرة مرتبطة بالإرهاق الحاد واضطرابات الضغط، ما يفسر وجود أعداد كبيرة من بقاياها في هذه المنطقة السحيقة.

وكشفت التحاليل التي أجريت على العينات المستخرجة بواسطة الأذرع الروبوتية للغواصة عن تنوع لافت في الأنواع الموجودة داخل المقبرة، إذ تضم بقايا لحيتان منقارية معاصرة، إلى جانب حيتان المنك وبعض الأنواع المنقرضة التي لم تكن معروفة من قبل. كما تمكن العلماء من توصيف نوع جديد أطلق عليه اسم “بتيروسيتوس ديامانتيناي” نسبة إلى المنطقة التي اكتشف فيها.

غير أن أكثر ما يضفي على هذا الاكتشاف طابعاً استثنائياً هو البعد الزمني الذي يوثقه. فقد أظهرت عمليات التأريخ الجيولوجي أن أقدم جمجمة حوت عثر عليها في الموقع يعود عمرها إلى نحو 5.26 ملايين سنة، ما يدل على أن المنطقة ظلت تستقبل بقايا الحيتان بشكل متواصل عبر ملايين السنين، لتتحول إلى سجل طبيعي نادر يوثق تاريخ تطور الحيتانيات عبر العصور الجيولوجية.

ويرى عدد من علماء الحفريات أن أهمية هذا الكشف تضاهي اكتشافات بحرية كبرى غيرت مسار العلوم الحديثة، من قبيل اكتشاف سمكة السيلاكانث أو الفوهات الحرارية المائية العميقة، نظراً لما يوفره من معطيات غير مسبوقة حول الهجرات البحرية القديمة والتطور البيولوجي للثدييات البحرية.

ورغم وصف الموقع بأنه “مقبرة للحيتان”، فإن الواقع العلمي يكشف وجهاً آخر أكثر إدهاشاً. فالجثث الضخمة التي تستقر في الأعماق تتحول إلى مصدر غذائي حيوي يدعم منظومات بيئية كاملة في عالم يندر فيه الغذاء. وقد رصد الباحثون تجمعات كثيفة من نجوم البحر الهشة والقواقع البحرية والديدان المتخصصة في التغذي على العظام، إضافة إلى مستعمرات بكتيرية هائلة تغطي الهياكل العظمية بطبقات بيضاء كثيفة.

ويعتقد العلماء أن منطقة ديامانتينا قد تشكل ممراً بيولوجياً فريداً يربط بين النظم البيئية العميقة في جنوب شرق المحيط الهندي، ويسهم في انتشار الكائنات الحية الدقيقة والأنواع البحرية المتخصصة عبر مسافات شاسعة داخل الأعماق السحيقة.

ويمثل هذا الاكتشاف نافذة علمية استثنائية على تاريخ المحيطات والحياة البحرية، كما يؤكد أن قاع البحار ما يزال يخفي أسراراً كبرى لم تكشف بعد، وأن الأعماق المظلمة التي ظلت لقرون بعيدة عن متناول الإنسان قد تحمل مفاتيح جديدة لفهم تطور الحياة على كوكب الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *