البحر أنفو – 11/ 06/ 2025 الشعاب الاصطناعية بالمغرب.. نحو إعادة التوازن البيئي وتعزيز الثروات البحرية متابعة: في إطار جهوده المتواصلة لحماية النظم البيئية البحرية وتعزيز استدامة الثروات السمكية، أطلق المغرب، منذ سنوات، مجموعة من البرامج البيئية الرائدة، من بينها مشروع غمر الشعاب الاصطناعية في عدة مناطق ساحلية ومناطق بحرية محمية، من أبرزها سواحل مرتيل (2011)، إضافة إلى مواقع أخرى على امتداد الساحل الأطلسي والمتوسطي.
تهدف هذه المبادرات إلى إعادة إحياء المواطن الطبيعية للكائنات البحرية، خصوصًا في المناطق التي تعرضت للاستنزاف أو التدهور البيئي بفعل الضغط البشري أو التغيرات المناخية. وتُعد الشعاب الاصطناعية، التي تُصنع غالبًا من هياكل إسمنتية مصممة خصيصًا لمحاكاة الشعاب الطبيعية، وسيلة فعالة لاستقطاب الكائنات البحرية، وتوفير ملاذات آمنة للتكاثر والتغذية.
وقد تم غمر هذه الشعاب وفق معايير علمية دقيقة، وبإشراف مختصين في علوم البحار والبيئة البحرية، بالتنسيق مع وزارة الصيد البحري والوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية، والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري. كما تم اختيار مواقع الغمر بناءً على دراسات بيئية دقيقة، تراعي طبيعة التيارات البحرية، والتنوع البيولوجي، ومدى الحاجة إلى التدخل البيئي.

أهداف بيئية واقتصادية
لا يقتصر دور الشعاب الاصطناعية على البعد البيئي فقط، بل تسهم أيضًا في دعم الاقتصاد المحلي، من خلال تنشيط المصايد الساحلية التقليدية، وتوفير مناطق جديدة لصيد الأسماك بطريقة مستدامة، مما يعود بالنفع على مهنيي الصيد البحري، خاصة في المناطق التي تعرف ضعفًا في الإنتاج أو تهديدًا للتوازن البيولوجي.
كما تشكل هذه المبادرات جزءًا من التزامات المغرب ضمن استراتيجيته الوطنية لتأهيل المناطق البحرية، وتحقيق توازن بين الاستغلال الاقتصادي والمحافظة على البيئة، في انسجام تام مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف 14 المتعلق بـ”الحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام”.
آفاق مستقبلية
تعتزم الجهات الوصية توسيع برنامج غمر الشعاب الاصطناعية ليشمل مناطق بحرية إضافية، مع اعتماد تقنيات أكثر تطورًا تراعي التنوع البيولوجي المحلي وخصوصيات كل منطقة. كما يتم الاشتغال على تعزيز إشراك المجتمعات المحلية والمهنيين في مراحل التخطيط والمراقبة، لضمان استدامة المشروع وفعاليته على المدى البعيد.
وتبقى هذه الخطوة من أبرز النماذج المغربية الناجحة في مجال إعادة تأهيل النظم البيئية البحرية، مما يعزز موقع المملكة كفاعل ملتزم في حماية المحيطات، ويؤكد ريادتها في تطوير حلول مبتكرة توازن بين حماية البيئة وتحقيق التنمية.
تحليل مجتمع الأسماك.. تكوين وتطور: تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تقييم أولي لمجتمع الأسماك المرتبط بالشعاب الاصطناعية بمرتيل، وذلك بعد سنتين من المراقبة العلمية المنتظمة. وقد ركز التقييم على تركيبة الأنواع، عدد الأفراد، والكتلة الحية. وأسفرت عمليات الرصد عن تحديد 16 نوعًا من الأسماك، أظهرت تباينًا في نسب الوفرة والكتلة الحية، ما يعكس عملية تطور تدريجية للنظام البيئي المحيط بهذه الهياكل الاصطناعية.

استقرار تدريجي ومؤشرات إيجابية: أظهرت نتائج الدراسة أن مؤشري “شانون وينر” للتنوع الأحيائي ومؤشر التوازن (Evenness Index) شهدا ارتفاعًا تدريجيًا خلال فترة الرصد، مما يدل على أن استقرار المجتمع البيولوجي المرتبط بالشعاب الاصطناعية عملية طويلة المدى تتطلب وقتًا ليصل النظام إلى توازن بيئي مستدام.
وقد لوحظ أيضًا أن هذه الهياكل الاصطناعية توفر وظائف بيئية متعددة، فبينما تمثل منطقة حماية طبيعية لبعض الأنواع، فإنها تشكل أيضًا موئلًا للتكاثر والتوالد لأنواع أخرى، وهو ما يعزز من قيمتها البيئية والاقتصادية.
وأكدت النتائج الأولية المحصلة فعالية الشعاب الاصطناعية كأداة بيئية استراتيجية لإعادة تأهيل المواطن البحرية، وتدعو إلى توسيع هذه التجربة لتشمل مناطق ساحلية أخرى، مع مواصلة التتبع العلمي لضمان فعاليتها على المدى البعيد. كما تمثل هذه المبادرة نموذجًا للتكامل بين البحث العلمي، وحماية الموارد الطبيعية، والتنمية المحلية.