البحر أنفو – 21/07/2025 في أعماق الأطلسي.. العلماء يرصدون 3350 برميلاً من النفايات المشعة دون مؤشرات تسرب متابعة:
في خطوة علمية غير مسبوقة، أنهى فريق دولي من الباحثين مهمة استكشافية دامت شهرًا في أعماق شمال شرق المحيط الأطلسي، حيث تمكّن من رصد وتوثيق 3,350 برميلاً من النفايات المشعة، تم التخلص منها بين عامي 1946 و1993 من طرف عدة دول أوروبية، في منطقة تقع على عمق يفوق 4000 متر. وقد أكّدت البعثة أن لا مؤشرات حالية على وجود تسرب إشعاعي مقلق، مع تسجيل مستويات إشعاع لا تتجاوز الخلفية الإشعاعية الطبيعية.
استكشاف أعماق التاريخ النووي
البعثة العلمية، التي أُنجزت على متن السفينة الفرنسية “L’Atalante”، التابعة لأسطول الأبحاث المحيطية الفرنسي، حملت اسم NODSSUM، واستهدفت واحدة من أكبر مناطق الإغراق البحري للنفايات النووية في العالم، تقع في المنطقة الدولية على بُعد 1000 كيلومتر جنوب غرب بريست (فرنسا)، و650 كيلومترًا شمال غرب لا كورونيا (إسبانيا).
وباعتماد تكنولوجيا متطورة، أبرزها الغواصة الذاتية “Ulyx” التابعة للمعهد الفرنسي لبحوث استغلال البحار (IFREMER)، تم تنفيذ 16 غطسة، مكنت من رسم خرائط تفصيلية لمساحة تفوق 160 كيلومترًا مربعًا، وتحديد مواقع البراميل بدقة غير مسبوقة.
معاينة مباشرة وتوثيق ميداني
رغم أن العدد الإجمالي للبراميل المُغرَقة في تلك المنطقة يُقدّر بأكثر من 200 ألف برميل، فقد أمكن خلال هذه الحملة تحديد موقع 3,350 منها، مع توثيق بصري لحالة نحو 50 برميلًا. وتُظهر الصور وجود درجات متفاوتة من التآكل السطحي، وانتشار كائنات بحرية مثل شقائق النعمان على سطح بعض البراميل، ما يدل على تفاعل طويل الأمد مع البيئة البحرية.
كما لوحظت تسربات مادية غير مشعة على بعض البراميل، يُرجّح أنها تعود إلى مادة البيتومين التي كانت تُستخدم لعزل المحتويات المشعة داخلها.
تحاليل إشعاعية وسيناريوهات مستقبلية
وفقًا للقياسات الأولية التي تم إجراؤها في عين المكان، لم يتم تسجيل أي مستويات إشعاع تتجاوز القيم الطبيعية للخلفية البيئية. غير أن الفريق العلمي أكّد أن التحاليل المعمقة ما تزال قيد الإعداد، وتشمل عَيّنات من الرواسب البحرية، والمياه، وكذلك الأسماك والقشريات التي تم اصطيادها في محيط البراميل.
الهدف من هذه العينات هو تقييم الأثر البيولوجي المحتمل لهذا الإغراق التاريخي على الأحياء البحرية، خاصةً أن عمق 4,000 متر يشكّل منطقة حساسة بيئيًا، وظلت مجهولة في الغالب طيلة عقود.
بعثة علمية بتنسيق دولي رفيع
ضمّت البعثة خبراء من عدة مؤسسات مرموقة، أبرزها المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، والمعهد الفرنسي للبحث من أجل التنمية (IRD)، بالإضافة إلى باحثين من جامعة بيرغن النرويجية، ومعهد ثونن الألماني، وجامعة ميموريال في نيوفاوندلاند بكندا.
وتأتي هذه الحملة استكمالًا لجهود علمية بدأت منذ الثمانينيات، حيث سبق للمركز الفرنسي للطاقة الذرية (CEA) وIfremer أن أجريا مهمة تصوير مماثلة سنة 1984، أثبتت وجود حاويات مشعة في المنطقة ذاتها، وقد بدت آنذاك في حالة جيدة نسبيًا رغم ظهور بعض آثار التآكل.
إرث بيئي يتطلب اليقظة
رغم أن الإغراق البحري للنفايات النووية كان ممارسة “قانونية” حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، إلا أن استمرار الدراسات والمراقبة العلمية الدقيقة لهذه المناطق يُعد ضرورة ملحة، في ظل تزايد القلق العالمي حول التلوث غير المرئي وتأثيراته التراكمية على الأنظمة البيئية العميقة.
تبقى النتائج النهائية لتحاليل العينات المنتظرة خلال الأشهر المقبلة مفتاحًا لفهم أعمق لأثر هذا الإرث النووي، كما ستُسهم في تحديث السياسات الدولية الخاصة بحوكمة المحيطات، والحفاظ على الصحة البيئية للمناطق البحرية العميقة.