البحر أنفو – 12/04/2026 كنوز غارقة تكشف أسرار المتوسط: اكتشاف حطام خمس سفن وشبكة بحرية عمرها 2600 سنة قبالة سواحل اليونان
في إنجاز أثري لافت يعيد رسم ملامح التاريخ البحري لحوض البحر الأبيض المتوسط، أعلنت وزارة الثقافة اليونانية عن اكتشاف خمس حطام سفن، إلى جانب بقايا شبكة ملاحية وتجارية تعود لأزيد من 2600 سنة، وذلك في أعماق البحر المحيط بجزيرتي كارباتوس وكاسوس جنوب شرق بحر إيجه.
بعثة علمية متعددة الجنسيات
هذا الاكتشاف جاء ثمرة مهمة أثرية بحرية متقدمة انطلقت سنة 2019، في إطار مشروع طموح يهدف إلى جرد وتوثيق التراث الثقافي المغمور بالمياه في المنطقة. وقد شارك في هذه البعثة أكثر من 40 عالِمًا وخبيرًا من تخصصات متعددة، من ضمنهم باحثون من المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ (INAH) والمتحف البحري النرويجي.
ونفّذ الفريق أكثر من 120 عملية غوص على أعماق تتراوح بين 3 و45 مترًا، ما مكّن من توثيق بقايا أثرية تمتد عبر أزيد من 26 قرنًا، من العصر الإغريقي القديم إلى بدايات القرن التاسع عشر.

اكتشافات تعيد رسم خريطة الملاحة القديمة
أسفرت الأبحاث عن اكتشافات نوعية، من أبرزها:
أربع سفن غارقة تعود لفترات تاريخية مختلفة، إلى جانب حطام سفينة حديثة؛
سفن تجارية كانت تنشط ضمن شبكة تبادل بحري واسعة؛
بقايا منشآت مينائية قديمة؛
أزيد من 20 مرساة تعود للفترة البيزنطية؛
هذه المعطيات، إلى جانب آثار عمرانية ودينية مكتشفة في موقع “تريستومو”، تؤكد أن المنطقة كانت مركزًا بحريًا وتجاريًا حيويًا خلال العصور القديمة المتأخرة.
كارباتوس… جزيرة التاريخ والأساطير
تُعد جزيرة كارباتوس من أبرز المواقع التي استأثرت باهتمام الباحثين، إذ ذُكرت في أعمال الشاعر الإغريقي هوميروس، كما ألهمت لاحقًا الكاتب الفرنسي جول فيرن.
وخلال هذه الحفريات، ركز الباحثون على مواقع أثرية بحرية قريبة من مدينتي فريكوس ونيسيروس، وهما اثنتان من المدن الأربع التي شكّلت ما يُعرف بـ”الرباعية الكارباتية”، كما ورد ذكرها لدى الجغرافي اليوناني سترابون في العصر الروماني.
أهمية الاكتشاف: قراءة جديدة للتاريخ البحري
لا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على بعدها الأثري فحسب، بل تفتح آفاقًا جديدة لفهم ديناميات التجارة والملاحة في العصور القديمة، خاصة في شرق المتوسط، الذي كان ولا يزال معبرًا استراتيجيًا بين القارات والحضارات.
كما تؤكد هذه النتائج أن أعماق البحار لا تزال تخفي كنوزًا تاريخية هائلة، قادرة على إعادة كتابة فصول كاملة من تاريخ الإنسانية، في وقت تتسارع فيه الجهود الدولية لحماية التراث الثقافي المغمور من النهب والإهمال.
نحو حماية التراث المغمور
في ظل هذه الاكتشافات، شددت السلطات اليونانية على ضرورة تعزيز برامج البحث العلمي والحماية القانونية للتراث البحري، خاصة في المناطق التي عرفت نشاطًا تجاريًا كثيفًا عبر العصور.
ويبقى هذا الاكتشاف دليلاً جديدًا على أن البحر، رغم اتساعه وغموضه، لا يزال يحتفظ بذاكرة حية لحضارات تعاقبت وازدهرت، ثم اختفت تاركة وراءها آثارًا تنتظر من يكتشفها ويعيد سرد قصتها.
