عاجل
17 سبتمبر 2025 على الساعة 10:25

غرق مركب صيد السردين الساحلي ” أبو الهناء”… حين تتحول وفرة كبايلا إلى لعنة، و عندما تقود المصافي ( الكريبينات ) إلى الكارثة

البحر أنفو – 17/09/2025 غرق مركب الصيد الساحلي “أبو الهناء”… حين تتحول وفرة الصيد إلى لعنة متابعة: لم يكن غرق مركب الصيد الساحلي صنف السردين أبو الهناء، قبالة ميناء الداخلة الجزيرة، نتاجاً لاضطراب جوي أو قوة البحر كما جرت العادة في مثل هذه الحوادث؛ بل كان على العكس تماماً، في ظل أجواء بحرية هادئة وصافية توصف محلياً بـ”الكالما”. غير أن ما يفترض أن يكون ظرفاً آمناً، انقلب إلى مأساة بحرية تحمل في طياتها دروساً بليغة حول التوازن بين الطموح والاحتياط.

فالمركب، الذي ظل خلال الأيام الأخيرة من بين “المحظوظين” في تحقيق حصيلة وافرة من أسماك الإسقمري، لم يقاوم إغراء الوفرة. فشباكه لم تتوقف عن الجلب، والربان لم يتردد في رفع كل ما وقع بين شباك الصيد، حتى تجاوزت الحمولة كل التوقعات. هذه الكمية المفرطة، بدل أن تكون بشارة خير، تحولت إلى عامل ضغط هائل على هيكل المركب، وأدت إلى تسرب المياه بانسياب سريع، لم تفلح معه محاولات الميكانيكي ولا جهود الطاقم في السيطرة على الوضع، خاصة و أن ما يعرف “ بالكريبينات ” أي أجزاء من خلالها يتم شفط المياه كانت مسدودة بالأوساخ و الأوحال.

وتسارعت وتيرة الأحداث في لحظات حرجة، فبينما البحر مسالم والطقس مستقر، كانت الأطنان من الإسقمري تسحب المركب إلى مصيره المحتوم. هنا تكمن المفارقة؛ إذ لم يكن الخطر من عاصفة عاتية أو أمواج عاتية، بل من وفرة أسالت لعاب الطموح المفرط، وأجهزت على مقدرات مركب لم تكن حالته جديرة لاستيعاب مثل هذه الحمولة.

الحادث يطرح بحدة إشكالية الحكامة في ضبط عمليات الشحن واحترام حدود السلامة البحرية، ويعيد إلى الواجهة سؤال التوازن بين البحث عن الربح السريع، ومراعاة معايير الأمان البحري التي تضمن استمرارية النشاط دون مغامرة بأرواح البحارة وممتلكات مجهزي المراكب.

مركب الصيد ” أبو الهناء “في حادث الغرق انقلب من جهته الأمامية (البَروَة)، ما يفسّر السيطرة السريعة للمياه على المركب ومساهمتها في غرقه، ويُعزى ذلك أساساً إلى انسداد المصافي الكريبينات

إن غرق “أبو الهناء” يذكر بأن البحر، مهما بدا هادئاً، يظل محكوماً بقوانينه الصارمة التي لا ترحم التهاون ولا التساهل، وأن الصيد ليس مجرد سباق نحو الأطنان، بل مسؤولية جماعية تتطلب التزاماً صارماً بحدود السلامة، حفاظاً على الإنسان أولاً، وعلى الثروة البحرية ثانياً، كما أن المسؤولية الكبيرة للميكانيكي و مساعده تبقى لها الأهمية القصوى بعدما لوحظ أن غرق المركب كان من الجانب الأمامي ( البروة )أي أن المصافي ( الكريبينات) كانت مسدودة.

تفرض حادثة غرق مركب أبو الهناء إعادة التأكيد على أن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مطالبة بتعاطٍ أكثر صرامة مع ملف المراكب التي تتقادم في الخدمة، عبر إلزامها بعمليات صيانة دورية منتظمة، إذ أن من بين أبرز الأخطار التي تهدد سلامة الأسطول الوطني تكمن في تأخر فترات الصيانة لسنوات، ما يجعل هذه الوحدات عرضة للاهتراء وضعف مقاومة ضغط البحر والحمولات الثقيلة، وهو ما يستدعي ربط استمرار نشاطها البحري بمساطر مراقبة تقنية دقيقة تضع السلامة فوق أي اعتبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *