البحر أنفو – 23/09/2025 قرى الصيد البحري بالأقاليم الجنوبية: ثروات بمليارات الدراهم وأوضاع بئيسة تكشف مفارقة صادمة متابعة: رغم أن الأقاليم الجنوبية للمملكة تعد خزاناً استراتيجياً للثروات البحرية، وتدر قرى الصيد التقليدي المنتشرة على طول سواحلها مليارات الدراهم سنوياً، تذهب إلى حسابات شركات كبرى ودوائر ضيقة من مسؤولين وسياسيين وموظفين سامين، فإن واقع البحارة الذين يشكلون العمود الفقري لهذا النشاط الاقتصادي يظل كارثياً بكل المقاييس.
ففي الوقت الذي يُضخ فيه مردود هذه القرى بقوة في شرايين الاقتصاد الوطني، يعيش آلاف البحارة في ظروف اجتماعية قاسية تكشف تناقضاً صارخاً بين عائدات البحر وواقع الصياد البسيط. عشرات القرى المنتشرة من الداخلة إلى العيون تكتسي صورة مروعة: أكواخ قصديرية عشوائية تحاصرها الأزبال، تنعدم فيها أبسط مقومات الكرامة الإنسانية، وتغيب عنها خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير، فيما يضطر رجال البحر للإقامة وسط هشاشة تجعل حياتهم عرضة لكل الأخطار.
الأدهى من ذلك، أن هذه البراريك القصديرية تتحول بين الفينة والأخرى إلى مسرح لحرائق مأساوية، تحصد أرزاق البحارة وممتلكاتهم المتواضعة، في غياب كلي لشروط السلامة، ووسط لا مبالاة رسمية تزيد من عمق الجراح.
ورغم الوعود المتكررة ومشاريع التأهيل التي أعلنت منذ سنوات تحت يافطة “إعادة هيكلة قرى الصيد”، إلا أن معظمها ذهب أدراج الرياح، لتبقى النتائج على الأرض هزيلة، لا تعكس بأي حال من الأحوال قيمة المداخيل الضخمة التي يدرها هذا القطاع. وهو ما يطرح بإلحاح أسئلة المسؤولية والشفافية حول مصير هذه البرامج، ومن المستفيد الحقيقي من ثروة بحرية تستنزف يومياً، بينما المنتجون الفعليون يعيشون على الهامش.

فعاليات مهنية ومحلية دقت مراراً ناقوس الخطر، مطالبة بإطلاق مشاريع استعجالية تُخرج هذه القرى من عزلتها، وتوفر للبحارة شروط العيش الكريم من سكن لائق، ماء صالح للشرب، كهرباء، وصرف صحي، بما ينسجم مع الدينامية التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، ويعيد الاعتبار لفئة اجتماعية حيوية ساهمت ولا تزال في دعم الاقتصاد الوطني والحركة التجارية للمملكة.
إن مشهد قرى الصيادين كما هو قائم اليوم لا يسيء فقط إلى صورة التنمية التي تراهن عليها الدولة في أقاليمها الجنوبية، بل يمثل جرحاً غائراً في جسد العدالة الاجتماعية، ويطرح تحدياً كبيراً أمام كل السياسات العمومية الساعية إلى تثمين الثروة البحرية وضمان استدامتها. فهل يتحول النداء إلى تدخل فعلي يوقف هذا النزيف ويعيد الكرامة لرجال البحر؟
غير أن ما يزيد الوضع قتامة هو الغموض الذي يلف مشاريع التأهيل التي جرى الإعلان عنها منذ سنوات تحت شعارات براقة، ثم اختفت من المشهد دون أثر يُذكر. فبين مخططات أُطلقت على الورق، واعتمادات مالية رُصدت، بقيت القرى غارقة في براريك قصديرية، كأنها خارج نطاق أي رؤية تنموية. هذا التعثر المزمن يثير شبهة تقصير أو سوء تدبير، إن لم نقل تبديداً لموارد كان يفترض أن تغيّر واقع البحارة نحو الأفضل.
وفي ظل هذه المفارقة، بات فتح تحقيقات نزيهة وشفافة أمراً ضرورياً لكشف مصير تلك البرامج والاعتمادات، وتحديد المسؤوليات بدقة. فالتنمية لا تُبنى على الوعود المؤجلة ولا على مشاريع تُطمس في مسارات غامضة، بل على المحاسبة الصارمة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وحدها هذه الخطوة الكفيلة بإعادة الثقة للبحارة، ورد الاعتبار لقرى الصيد حتى تواكب فعلاً حجم العائدات التي تدرها الثروة البحرية على خزينة الدولة.