البحر أنفو – 13/10/2025 أكادير سفينة حديدية تكسر القواعد ؟ “قانون بناء السفن في الميزان: لجنة مركزية تفتح باب الشبهات“
لم يكد يمضي وقت طويل على نشر جريدة البحر أنفو لمقالها حول السفينة الحديدية التي رفضتها مصالح مندوبية الصيد البحري بأكادير تحت عنوان ” أكادير :باريخة ديال لحديد تجر وراءها أسئلة ثقيلة: لماذا ستنتقل لجنة مركزية من الرباط لإعادة قياسات سفينة رفضتها أكادير ؟،حتى تقاطرت على الجريدة اتصالات من مهنيين ومجهزين ومتابعين من مختلف الموانئ، يتساءلون عن هوية المركب المعني، وعن مآل هذا الملف الغامض الذي بات حديث الأوساط البحرية في سوس وما جاورها.
فبين من أراد الاستئناس بالمعلومة، ومن حاول الاستقصاء أكثر، ومن تساءل إن كان هناك “حل سحري” يلوح في الأفق لتسوية وضعيات مشابهة، برز سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح:
هل يمكن أن تُرفع علامة الرفض عن هذه السفينة لمجرد حضور لجنة مركزية من الرباط؟ الجواب، وفق مصادر مطلعة، لا.
ذلك أن القياسات التقنية التي أجرتها مصالح أكادير ثابتة وغير قابلة للتأويل، وقد أظهرت بوضوح أن السفينة لا تستجيب للمعايير المنصوص عليها في عقد الجنسية الأصلي، ما يجعل رفضها قانوناً قائماً ومؤسساً، وليس مجرد موقف إداري قابل للمراجعة.
ورغم أن اللجنة المركزية تستعد فعلاً للحضور من العاصمة لإعادة القياس، أو أنها فعلا قامت بواجبها، فإن النتيجة القانونية تظل رهينة بالنص، لا بالرغبات. فالقانون واحد، والقاعدة صريحة: “كل انحراف في الطول أو العرض أو الحمولة يبطل الترخيص ويستوجب الجزاء.”
لا مكان إذن للمجاملة أو للالتفاف على المساطر، لأن اللجنة لا تُغيّر الحقيقة التقنية، بل تُعيد قراءتها فقط، ولا شيء في المساطر يسمح بخلق “استثناء على المقاس”.
المهنيون الذين تواصلوا مع الجريدة عبّروا عن قلق عميق من أن تتحول مثل هذه الملفات إلى “سابقة” تُستغل لاحقاً لتبرير تسويات مماثلة، وهو ما من شأنه ضرب مصداقية المندوبيات الجهوية التي تمثل الخط الأول في تنزيل القوانين البحرية.
فإذا كان بإمكان كل ملف مرفوض أن يُبعث من جديد بقرار مركزي، فإن معنى الرقابة الجهوية يفقد قيمته، وتتحول الشرعية القانونية إلى ورقة تفاوض.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن الرفض الصادر عن مندوبية أكادير سيظل قائماً ما لم تُثبت المعطيات التقنية عكس ذلك بموجب مساطر رسمية واضحة، لأن المسألة لا تتعلق برأي أو اجتهاد، بل بسلامة قانونية وبيئية تمسّ توازن المنظومة البحرية برمّتها.
فالسفينة الحديدية التي أثارت العاصفة ليست مجرد هيكل عائم من الفولاذ، بل اختبار صريح لهيبة القانون في البحر المغربي.فإما أن يُطبّق القانون على الجميع دون استثناء، أو يُفتح الباب أمام منطق “الهروب إلى الأمام” حيث تُدار الملفات بالهواتف لا بالمعايير.
وفي انتظار أن تنهي لجنة الرباط مهامها، يظل الرفض هو الأصل، والقانون هو الفيصل.
أما البحر، فسيظل يلفظ كل ما لا ينسجم مع مياهه… مهما حاول البعض أن يفرض على الأمواج مساراً آخر.
صمت الإدارة يشعل الجدل : غياب القصاصة الرسمية يفتح الباب أمام التأويلات في ملف السفينة الحديدية بأكادير بينما لا يزال الجدل محتدماً حول السفينة المصنوعة من مادة الحديد التي خضعت لإعادة القياس من طرف لجنة مركزية قادمة من الرباط بعد رفض مصالح مندوبية الصيد البحري بأكادير لها، يطفو على السطح مشكل أعمق من مجرد اختلاف في المقاييس أو المساطر التقنية. فالإشكالية الكبرى، في هذا الملف كما في غيره، هي غياب قصاصة رسمية واضحة من الإدارة المركزية توضح للرأي العام المهني خلفيات القرار ودوافعه القانونية.
هذا الفراغ في التواصل هو ما يُغذي التضارب في التأويلات، ويترك الميدان مفتوحاً أمام الشائعات وقراءات متناقضة. ففي ظل غياب موقف رسمي معلن يضع النقاط على الحروف، يجد المهنيون أنفسهم أمام سيل من الروايات المتضاربة: من يقول إن اللجنة أعادت القياسات لتصحيح خطأ إداري، ومن يعتقد أن هناك ضغوطاً غير معلنة لتليين قرار الرفض.
وبدل أن تُحسم الأمور بمعطيات رسمية ومؤسسة، يتحول النقاش إلى فضاء خصب لـ”القيل والقال”، بما يضر بصورة القطاع ويُربك علاقة الثقة بين المهنيين والإدارة. وتتحمل المديرية المركزية مسؤولية مباشرة في هذا الوضع، لأنها الجهة الوحيدة المخولة لإصدار بلاغ رسمي يُحدد موقفها ويشرح للرأي العام المهني أسباب التدخل الاستثنائي للجنة الرباط.
فالتريث في التواصل أو الاكتفاء بالصمت ليس حياداً إدارياً، بل يُفهم على أنه تواطؤ بالصمت، ويُفسح المجال للتأويلات التي تضع الوزارة نفسها في موقع الاتهام. الواقع أن هذه السفينة ليست حالة معزولة. عدد كبير من السفن المرابطة في مثلث الصيد بميناء أكادير منذ شهور طويلة تعاني من الإشكال نفسه: ملفات عالقة، قياسات مثيرة للجدل، ورخص لم تُسَوَّ بعد، في انتظار أي إشارة من الإدارة المركزية قد تُفتح معها نافذة لتسوية أوضاعها. وهو ما يجعل المتتبعين يرون أن أي “استثناء” في هذه الحالة قد يُفهم كإشارة ضمنية لباقي المجهزين للضغط في الاتجاه نفسه.
إن الوضوح الإداري وحده كفيل بإغلاق باب التأويلات ووضع حد لحالة الترقب التي يعيشها الميناء. فقطاع الصيد البحري في حاجة إلى شفافية في القرار أكثر من أي وقت مضى، لأن الغموض لا يخدم سوى من يبحث عن الثغرات، بينما يُضعف ثقة الفاعلين الجادين في المؤسسات. إن إصدار بلاغ رسمي دقيق ومسؤول لم يعد ترفاً، بل ضرورة لتصحيح مسار التواصل وحماية هيبة الإدارة من الانزلاق نحو دوامة الإشاعات.