البحر أنفو – 14/10/2025 البحار تتحول إلى جبهة جديدة في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين متابعة:
في مشهد يعيد رسم خريطة التجارة العالمية، افتتحت الولايات المتحدة والصين فصلاً جديداً من حربهما التجارية، بعد أن أعلنت القوتان الاقتصاديتان الأكبر في العالم عن فرض رسوم مينائية متبادلة على السفن التجارية ابتداءً من يوم الثلاثاء، تشمل كل شيء من ألعاب الأعياد إلى ناقلات النفط الخام.
بهذه الخطوة، تنتقل المواجهة من البر إلى البحر، ليصبح الفضاء البحري الدولي ساحة صراعٍ مفتوحة بين واشنطن وبكين.
خطوة أمريكية لتقويض النفوذ البحري الصيني
تعود جذور هذا التصعيد إلى بداية العام الجاري، حين كشفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيتها فرض رسوم على السفن المرتبطة بالصين، في محاولة لتقليص هيمنة بكين على الصناعة البحرية العالمية، ودعم قطاع بناء السفن الأمريكي.
وقد عزز هذا التوجه تحقيق موسع كانت قد أطلقته إدارة الرئيس السابق جو بايدن، خلص إلى أن الصين تعتمد سياسات تجارية غير عادلة مكّنتها من السيطرة على قطاعات رئيسية في الملاحة، واللوجستيك، وصناعة السفن، الأمر الذي مهد الطريق أمام فرض هذه الرسوم.
ابتداءً من 14 أكتوبر الجاري، ستبدأ الولايات المتحدة في تحصيل الرسوم الجديدة، والتي تُقدّر تكلفتها السنوية بنحو 3.2 مليارات دولار بحلول عام 2026. وتشير التحليلات إلى أن شركة الشحن الصينية “COSCO” ستكون أكبر المتضررين، إذ يُنتظر أن تتحمل ما يقارب نصف التكلفة الإجمالية المتوقعة.
رد صيني بالمثل… ودوامة من التصعيد
لم تتأخر بكين في الرد، فأعلنت الأسبوع الماضي فرض رسوم مينائية مماثلة على السفن المرتبطة بالولايات المتحدة، لتدخل بذلك العلاقة التجارية بين البلدين مرحلة جديدة من التوتر المتبادل.
ووفق تقديرات مؤسسة “Jefferies”، فإن 13٪ من ناقلات النفط الخام و11٪ من سفن الحاويات على مستوى العالم ستتأثر مباشرة بهذه الإجراءات، مما يُنذر باضطراب كبير في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي مذكرة بحثية لشركة Xclusiv Shipbrokers اليونانية، جرى التحذير من أن “هذه التماثلية في الردود الانتقامية تُدخل الاقتصادين في دوامة ضريبية بحرية قد تُحدث تشوّهات واسعة في حركة الشحن العالمية”.
البحر.. ساحة جديدة للسياسة والاقتصاد
لم يتوقف التصعيد عند حدود الضرائب المينائية. ففي أعقاب القيود الصينية الأخيرة على صادرات المعادن الحيوية، لوّح ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100٪ على الواردات الصينية، إلى جانب ضوابط صارمة على تصدير البرمجيات الحيوية بحلول الأول من نوفمبر المقبل.
وفي تطور موازٍ، حذّر مسؤولون أمريكيون من عقوبات محتملة على الدول التي تدعم خطة المنظمة البحرية الدولية (IMO) الهادفة إلى تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة في النقل البحري، في وقت كانت الصين من أبرز المؤيدين لهذه الخطة.
خطوةٌ فُسّرت على نطاق واسع بأنها تسييس متعمد للسياسات البيئية والتجارية، وجعل البحر مجالاً جديداً لتصفية الحسابات الجيوسياسية.
من التجارة إلى الجغرافيا السياسية
كما علّقت شركة Xclusiv في تقريرها الأخير:
“إن تسليح السياسات التجارية والبيئية يوضح أن النقل البحري لم يعد قناة محايدة للتبادل العالمي، بل تحول إلى أداة مباشرة في فن إدارة القوة”.
بهذه التطورات، يبدو أن الأساطيل التجارية أصبحت امتداداً للأساطيل السياسية، وأن الموانئ والممرات البحرية باتت تحمل على أمواجها رسائل نفوذ لا تقل خطورة عن صفقات الأسلحة أو معاهدات الطاقة.
ففي عالم تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع حسابات القوة، لم تعد البحار مجرد طرق تجارية… بل حدود جديدة للهيمنة.