البحر أنفو – 15/10/2025 أخبار دولية السفينة الهولندية “Thamesborg” تغادر أخيراً القطب الشمالي بعد عملية إنقاذ استثنائية استمرت ستة أسابيع
بعد أكثر من ستة أسابيع من الجهود المتواصلة في المياه الجليدية للممر الشمالي الغربي، غادرت السفينة التجارية الهولندية “Thamesborg” مياه القطب الشمالي، لتضع بذلك حداً لإحدى أطول وأعقد عمليات الإنقاذ البحري التي شهدها العام الجاري في تلك المنطقة النائية.
السفينة كانت قد علقت في المياه الكندية القطبية بعد أن جنحت أثناء عبورها الممر، ما استدعى تعبئة فرق إنقاذ متخصصة مدعومة بـ كاسحة جليد وقاطرة بحرية ومعدات تقنية متطورة، عملت في ظروف مناخية قاسية لإنقاذ الطاقم وإعادة تعويم السفينة.
ووفقاً للسلطات البحرية الكندية، يتجه القافلة حالياً جنوباً عبر خليج بافين نحو مضيق ديفيس، قبل أن تغادر المياه القطبية نهائياً خلال الأيام المقبلة، على أن تصل إلى وجهتها الأصلية ميناء باي-كومو في الساحل الشرقي لكندا بحلول 24 أكتوبر الجاري.
عملية تقنية دقيقة ومعقدة
أُعيد تعويم السفينة يوم الخميس الماضي بعد تنفيذ عملية دقيقة شملت إفراغ 5 آلاف طن من الحمولة وسحب مياه الخزانات المغمورة بمعدات ضخمة جُلبت على متن كاسحة الجليد Botnica.
وبعد نجاح العملية، تم سحب السفينة إلى منطقة Wrottesley Inlet المحمية نسبياً لإجراء فحص تقني شامل قبل استئناف رحلتها الطويلة نحو الجنوب.
عبور جريء عبر مضيق بيلوت
في خطوة غير مألوفة، اختار القافلة عدم المرور عبر مضيق بارو شمالاً، مفضلةً عبور مضيق بيلوت الضيق والنادر الاستخدام، لتفادي تراكم الجليد الكثيف في المناطق الشمالية.
ويمتد هذا المضيق لمسافة 13.5 ميلاً بحرياً فقط، تحفه من الجانبين منحدرات شاهقة يصل ارتفاعها إلى 2500 قدم، وتتميز مياهه بتيارات قوية وسريعة التغيّر، مما يجعل العبور فيه تحدياً حقيقياً يتطلب دقة عالية في الملاحة وتزامناً مع أوقات المد والجزر.
وقد اكتشف مضيق بيلوت سنة 1957 كطريق بديل للسفن لتفادي تجمّد المياه في الممرات الشمالية. ورغم مرور نحو سبعين عاماً، لا يزال هذا المضيق يمثل شرياناً ملاحياً حيوياً للسفن التي تواجه ظروفاً جليدية صعبة في أعالي الشمال.
رمز تاريخي للتحدي والإصرار البحري
يُعد مضيق بيلوت أيضاً محطة بارزة في تاريخ الملاحة القطبية، إذ مثّل سنة 1957 نقطة العبور الأهم لأول رحلة أميركية عبر الممر الشمالي الغربي، قادتها ثلاث سفن تابعة لخفر السواحل الأمريكي هي: Storis و Spar و Bramble.
وقد واصل Storis خدمته لأكثر من خمسة عقود قبل أن يُحال إلى التقاعد سنة 2007، فيما دخلت سفينة جديدة تحمل نفس الاسم الخدمة هذا العام، في استمرار لرمزية التحدي التي تمثلها تلك الرحلات القطبية.
تجسيد للتعاون الدولي في أقسى البيئات
قصة Thamesborg تبرز من جديد قيمة التنسيق الدولي والقدرة البشرية على الصمود في مواجهة قسوة البيئة القطبية، حيث لا تزال الملاحة في تلك المناطق تتطلب مزيجاً من الخبرة والتكنولوجيا والانضباط الدقيق.
وفي ظل التحولات المناخية التي تعيد رسم طرق التجارة العالمية في الشمال، تبقى مغامرة هذه السفينة تذكيراً بحدود الإنسان أمام الطبيعة، وبأن القطب الشمالي سيظل ميداناً للتحدي، لا للغزو.