البحر أنفو – 03/11/2025 في زمن تتسارع فيه التحولات المناخية وترتفع فيه منسوب المخاطر البحرية عبر السواحل المتوسطية والأطلسية، يرسخ المغرب حضوره كقوة مرجعية في هندسة المستقبل البحري للمنطقة، من بوابة “الابتكار الساحلي” و”الموانئ الخضراء”. فقد شكلت أشغال الدورة السادسة من PIANC Mediterranean Days بمدينة طنجة، محطة مفصلية لإبراز موقع المملكة كرائد إقليمي في تقوية منظومات المرونة الساحلية، وتأمين الاستدامة البيئية للموانئ، وتعزيز الانتقال الطاقي بمنطق استباقي لا بمنطق رد الفعل.
فخلال هذا الحدث الدولي، أعلن المغرب عن سلسلة اتفاقيات استراتيجية مع مؤسسات وطنية ودولية مرجعية في المعرفة والخبرة الهندسية واللوجستية البحرية، بهدف تسريع مسار الرقمنة البحرية، تحديث أساليب التخطيط الساحلي، ودمج الذكاء الاصطناعي والابتكار العلمي كرافعة لخلق قيمة اقتصادية متقدمة تحيط بالمجال الساحلي من أعلى طبقاته إلى أدق تفاصيله.
ومن أبرز هذه المبادرات، إطلاق دليل وطني منهجي لتتبع تطور خط الساحل اعتماداً على صور فضائية عالية الدقة، بتمويل من صندوق PROBLUE ومن البنك الدولي، وبقيادة مشتركة بين وحدة الاقتصاد الأزرق ومديرية الموانئ والملك العام البحري DPDPM، وبمواكبة تقنية من الـCerema. هذه الخطوة ستمنح المغرب أول مرجعية علمية موحدة لاستباق التآكل الساحلي وتأمين الاستثمارات وحماية البنية البحرية الاستراتيجية من مخاطر المستقبل.
إلى جانب ذلك، تم توقيع اتفاقيات ثنائية مع Cerema لمواكبة مشاريع التكيف المناخي للموانئ المغربية، وإرساء مساطر استغلال الذكاء الفضائي لخدمة الرصد البيئي البحري الوطني.
وعلى المستوى الأكاديمي البحثي، جمعت اتفاقية رفيعة بين الـDPDPM والـANP والـLPEE ومدرستي الهندسة العمومية (EMI و EHTP) في إطار توحيد المسالك العلمية ورفع منسوب التكوين السيادي في الهندسة البحرية، فيما عزز ميناء الداخلة الأطلسي موقعه كمختبر سيادي مستقبلي للمغرب من خلال اتفاق مع UM6P AI Movement لإدماج الذكاء الاصطناعي في نمذجة وتخطيط الموانئ.
هذه الدينامية ليست حدثاً معزولاً، بل جزء من رؤية استراتيجية عميقة ينقل بها المغرب الموانئ من مرحلة “البنية الصلبة” إلى مرحلة “العقل التقني”. فالمستقبل البحري اليوم لا يُصنع بالإسمنت وحده، بل بالعلم، بالمعلومة، بالمراقبة المستمرة، بالمقاييس القابلة للتحليل والتوقع.
وبطنجة، تقاطع الفكر المغربي مع التجارب الفرنسية في التكيّف المينائي مع التغير المناخي، ومع التجربة البرتغالية PORTOS 5+ التي تراهن على الكفاءة الطاقية والرقمنة. وهو ما يؤكد أن المغرب اليوم ليس فقط مُشارِكاً في النقاش الدولي، بل صانعاً لاتجاهات جديدة داخل فضاء الممرات البحرية الخضراء المتوسطية.