البحر أنفو – 13/12/2025 أخبار دولية في مواجهة تمدّد الصيد الصناعي… الصيد التقليدي يبحث عن طوق نجاة متابعة:
يشكّل الصيد البحري ركيزة حيوية في منظومة الأمن الغذائي العالمي، إذ تعتمد ملايين الأسر على موارده كمصدر رئيسي للغذاء والدخل. غير أنّ التسارع المهول الذي يشهده الصيد الصناعي بات يهدّد التوازن التاريخي بين ممارسات الصيد التقليدي وأساليب الاستغلال المكثف للموارد البحرية، الأمر الذي يطرح أسئلة ملحّة حول مستقبل النظم البيئية الساحلية واستدامة المخزون السمكي.
فروق تقنية ومهنية تُجسّد اختلالاً بنيوياً
تنقسم الأساطيل البحرية إلى ثلاث فئات رئيسية:
الصيد التقليدي باستعمال قوارب لا تتجاوز 12 متراً وتقنيات كالقفف والشباك والخيوط.
الصيد نصف الصناعي بسفن يتراوح طولها بين 12 و24 متراً.
الصيد الصناعي بسفن تتجاوز 24 متراً وتعتمد أساليب “جرّافة” عبر الشباك والعوّاَدل الثقيلة.
هذا التنوع لا يعكس فقط اختلافاً في تقنيات العمل، بل يكشف أيضاً عن تفاوت واسع في التأثير البيئي والاجتماعي. فكلما ازدادت قدرة السفينة، ارتفعت شدة الاستغلال، واتسعت رقعة الضغط على الأنظمة البيولوجية البحرية.
هشاشة الصيد التقليدي أمام ضغط اللوبيات التجارية.
يرى رئيس إحدى جمعيات الصيادين أن قطاع الصيد التقليدي أصبح الحلقة الأضعف داخل المنظومة البحرية، في ظلّ تزايد نفوذ الفاعلين الصناعيين الذين يوجّهون جزءاً كبيراً من الدعم العمومي نحو أساطيل ذات مردودية اجتماعية محدودة وبصمة بيئية عالية.
ويرى المتحدث أنّ “طرق الصيد التقليدي، رغم محدودية حجم مصايدها، تُعدّ الأكثر احتراماً للتوازنات البيئية والأكثر قدرة على خلق فرص الشغل محلياً”. أرقام تكشف حجم المفارقة
تشير المعطيات المتاحة إلى أن:
الصيد التقليدي ينتج نحو 36.600 طن سنوياً عبر أكثر من ألف قارب.
الصيد الصناعي ينتج نحو 61.500 طن سنوياً بواسطة عشرات السفن فقط.
ورغم الكفاءة الإنتاجية المرتفعة للصيد الصناعي، فإنّ أثره البيئي يُعدّ الأكثر تدميراً، بفعل تدمير الموائل البحرية، واستنزاف اليافعات، وارتفاع الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تقنيات الجرّ التي تُشَبَّه بـ “جرافات تحت البحر”.
تداعيات تمتدّ داخل وخارج الحدود
يشير فاعلون مهنيون إلى أنّ الصيد الصناعي، إضافةً إلى استنزافه موارد بحار أوروبا، يضغط أيضاً على المخزون السمكي في السواحل الإفريقية، ما يعمّق هشاشة الأمن الغذائي لمجتمعات تعتمد على البحر كمورد أساسي. أما الصيد التقليدي، فيمثّل نمطاً إنتاجياً يعتمد على الانتقاء واحترام الدورات البيولوجية، وهو ما يجعله ضامناً لتوازن بيئي واجتماعي لا تعوّضه الكميات الكبيرة التي توفرها الأساطيل الصناعية.
إصلاح المنظومة… وضرورة الانتقال العادل
يدعو المهنيون الاوربيون إلى إرساء انتقال تدريجي ومنصف يُمكّن البحّارة المتقدمين في السن من التخلي عن حصصهم وسفنهم لفائدة الصيادين التقليديين، داخل إطار تشريعي يراعي الاستدامة ويحمي فرص الشغل المحلية. كما يبرز دور المستهلك كفاعل رئيسي في تصحيح المسار. فتنويع الطلب على الأسماك، وتفضيل الأصناف المحلية والموسمية، واعتماد قنوات التوزيع القريبة من مواقع الإنتاج، كلها عوامل قادرة على إعادة الاعتبار للصيد التقليدي وإعادة التوازن إلى السوق.
كارثة صامتة تحت سطح الماء
تظلّ الأضرار التي تلحق بقاع البحار من جرّاء أدوات الصيد الثقيلة “غير مرئية” بالنسبة للرأي العام، ما يجعل توثيقها ونقل حجم خطورتها أمراً بالغ التعقيد. إلا أنّ المؤشرات البيئية الراهنة تؤكد أنّ البحر يشهد تحوّلات عميقة تُحتّم إصلاحات عاجلة، قبل أن تتسع الفجوة بين حاجات الإنسان وحدود قدرة الطبيعة على التجدد.