عاجل
6 أبريل 2026 على الساعة 17:32

عقد الالتزام البحري في المغرب… آلية لتكريس الحكامة وحماية الحقوق المهنية

البحر أنفو – 6/04/2026 عقد الالتزام البحري… ركيزة قانونية لتنظيم قطاع الصيد البحري وحماية حقوق المجهز والبحّار في سياق الجهود الرامية إلى ترسيخ الحكامة الجيدة داخل قطاع الصيد البحري

يبرز عقد الالتزام البحري كأحد أهم الآليات القانونية والتنظيمية التي يعتمدها المغرب لضبط العلاقة المهنية بين مجهزي سفن الصيد والبحّارة، وتأطيرها ضمن إطار قانوني واضح يوازن بين الحقوق والواجبات، ويحد من الهشاشة والنزاعات التي طالما طبعت هذا المجال الحيوي.

فهذا العقد لا يُعد مجرد إجراء إداري شكلي، بل هو وثيقة قانونية ملزمة تستمد مشروعيتها من مدونة التجارة البحرية، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 188 الخاصة بالعمل في قطاع صيد الأسماك، إضافة إلى النصوص التنظيمية الصادرة عن السلطات الوصية، خاصة تلك المرتبطة بظروف العمل والسلامة المهنية.

ويُحدد عقد الالتزام البحري بشكل دقيق هوية الطرفين: مجهز السفينة باعتباره المشغل والمسؤول القانوني عن الباخرة، والبحّار باعتباره عاملاً بحريًا يتمتع بحقوق واضحة مقابل التزامات مهنية محددة، مع ربط العلاقة بسفينة بعينها ورقم تسجيلها، بما يقطع مع أي غموض أو تشغيل غير منظم.

حماية مزدوجة… للبحّار وللمجهز

من بين أهم مكاسب هذا العقد، أنه يوفر حماية قانونية مزدوجة. فبالنسبة للبحّار، يضمن العقد حقه في ظروف عمل لائقة، والتغطية الاجتماعية، والحماية في حالات حوادث الشغل، وفق القانون رقم 18.12، إضافة إلى وضوح الأجر أو نظام الحصص، وحقه في التعويض في حالة الفسخ غير المبرر للعقد.

أما بالنسبة للمجهز، فيُشكل العقد أداة قانونية لحماية استثماره وتنظيم طاقم العمل، وضمان الانضباط المهني على متن السفينة، وتحديد المسؤوليات بشكل يمنع التأويلات والنزاعات التي قد تُكلفه خسائر مادية أو قانونية جسيمة.

كما أن التنصيص على مساطر تسوية النزاعات، عبر مندوبية الصيد البحري أو مكاتب المصالحة، يُكرس منطق الحل المؤسساتي للخلافات، بعيدًا عن العشوائية أو الاحتقان.

من “المجهز الفرد” إلى “الشركة”… تحول ضروري ورغم أهمية عقد الالتزام البحري، فإن تنزيله السليم يظل رهينًا بتطوير الإطار البنيوي الذي يشتغل داخله القطاع.

وهنا تبرز ضرورة الانتقال من منطق المجهز الفردي، الذي يمتلك في كثير من الحالات عدة مراكب أو سفن، إلى منطق تأسيس شركات مهيكلة تخضع لقواعد الحكامة والمحاسبة والشفافية.

فاستمرار بعض المجهزين في الاشتغال بصفتهم أفرادًا، رغم حجم الأسطول الذي يملكونه، يخلق اختلالات قانونية وتنظيمية، ويُعقّد مساطر التصريح بالعمال، والتغطية الاجتماعية، وتحمل المسؤوليات في حالات النزاع أو الحوادث.

إن تأسيس شركات للصيد البحري لا يُعد عبئًا إضافيًا، بل هو خيار استراتيجي: يضمن وضوح المسؤولية القانونية؛ يسهل احترام الالتزامات الاجتماعية تجاه البحّارة؛ يعزز جاذبية الاستثمار؛ ويمكن الدولة من تتبع أدق للنشاط الاقتصادي والاجتماعي داخل القطاع. نحو قطاع منظم ومستدام.

إن تعميم واحترام عقد الالتزام البحري، مقرونًا بإعادة هيكلة وضعية المجهزين في اتجاه التنظيم المقاولاتي، من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في قطاع الصيد البحري، قوامها الاستقرار المهني، وحماية العنصر البشري، وضمان استدامة الموارد، في انسجام تام مع التوجهات الوطنية والدولية. فالرهان اليوم لم يعد فقط في وفرة الإنتاج، بل في عدالة العلاقة المهنية داخل البحر، وفي بناء قطاع قوي، منظم، ومسؤول، يكون فيه العقد ليس مجرد ورقة، بل أساس ثقة وشراكة حقيقية بين المجهز والبحّار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *