عاجل
17 ديسمبر 2025 على الساعة 10:54

خبير مناخي: الاحتباس الحراري و“لانينيا” وراء الأمطار الغزيرة… فما انعكاساتها على الثروة السمكية ؟

البحر أنفو – 17/12/2025 خبير مناخي: الاحتباس الحراري و“لانينيا” وراء الأمطار الغزيرة… فما انعكاساتها على الثروة السمكية؟

أكد الخبير في المناخ، الدكتور محمد سعيد قروق، أن موجة الأمطار الغزيرة التي شهدتها المملكة خلال الأسابيع الأخيرة تندرج ضمن تفاعل معقّد لعوامل مناخية عالمية وإقليمية، يأتي في مقدمتها الاحتباس الحراري وظاهرة “لانينيا”، التي تؤثر بشكل مباشر في دينامية الغلاف الجوي ودوران الكتل الهوائية.

وأوضح الخبير، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الوضع الراهن يظل في جوهره جزءًا من السيرورة الطبيعية للنظام المناخي، غير أن حدّته أصبحت أكبر بفعل التغير المناخي. فالمحيطات، باعتبارها خزّانًا رئيسيًا للطاقة، تلعب دورًا محوريًا في تغذية الغلاف الجوي، وهو ما ينعكس على أنماط التساقطات المطرية.

“لانينيا” وتراجع المرتفع الأزوري

وأشار قروق إلى أن دخول ظاهرة “لانينيا”، المرتبطة بانخفاض انتقال الطاقة الحرارية نحو الغلاف الجوي، يؤدي إلى إضعاف المرتفع الأزوري، وهو نظام جوي يؤثر بقوة على مناخ المغرب وغرب البحر الأبيض المتوسط. هذا الوضع يهيئ الظروف لظهور تذبذب شمال الأطلسي في طوره السلبي، ما يسمح بتوغل كتل هوائية باردة نحو المنطقة.

وأضاف أن التقاء هذه الكتل الباردة مع أجواء دافئة ورطبة يؤدي أحيانًا إلى تشكّل اضطرابات جوية قوية، من بينها ظاهرة “البؤرة الباردة”، التي قد تتسبب في عواصف رعدية وتساقطات مطرية غزيرة، مركّزة في فترات زمنية قصيرة ومجالات جغرافية محدودة، وهو ما يزيد من صعوبة تدبير مخاطر الفيضانات.

ظواهر متكررة لكن بشدة أكبر

وسجّل الخبير أن مثل هذه الأحداث ليست جديدة على المغرب، مذكرًا بفيضانات كبرى عرفتها البلاد في محطات سابقة، من بينها فيضانات الدار البيضاء سنة 1996، إضافة إلى حالات مماثلة بعدة مناطق. غير أن ما يتغير اليوم، في سياق الاحتباس الحراري، هو ارتفاع حدة التباينات الحرارية بين الكتل الهوائية الساخنة والباردة، إلى جانب زيادة بخار الماء في الغلاف الجوي، ما يجعل الأمطار أكثر كثافة عند هطولها.

البنية التحتية والتحدي الوقائي

وعلى المستوى الوقائي، نبّه قروق إلى أن البنية التحتية الحضرية، التي صُممت وفق معايير قديمة، باتت غير قادرة في كثير من الأحيان على استيعاب كميات المياه المسجلة حاليًا. ودعا إلى تسريع برامج إعادة تأهيل شبكات الصرف، وتعزيز المقاربة الاستباقية في التهيئة الترابية، عبر إدماج أفضل للمجاري المائية ومناطق الفيضانات في التخطيط العمراني.

انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الثروة السمكية

وبموازاة تأثيراتها البرية، تطرح هذه الاضطرابات المناخية تساؤلات حول انعكاساتها على الثروة السمكية. فالتساقطات الغزيرة والفيضانات تؤدي إلى تدفق كميات كبيرة من المياه العذبة والرواسب نحو السواحل ومصبات الأودية، ما يؤثر على ملوحة المياه الساحلية وتوازنها البيئي، خاصة في المناطق القريبة من مصبات الأنهار.

كما يمكن لتغير درجات حرارة المياه السطحية، الناتج عن الاضطرابات الجوية، أن يؤثر على توزع بعض الأنواع السمكية، وسلوكها الغذائي والتكاثري، لاسيما الأصناف الحساسة للتغيرات الحرارية. وفي المقابل، قد تساهم هذه الدينامية في جلب مغذيات طبيعية نحو المناطق الساحلية، ما يعزز الإنتاجية البيولوجية مؤقتًا، خاصة بالنسبة للعوالق النباتية التي تشكل قاعدة السلسلة الغذائية البحرية.

غير أن الخبراء يحذرون من أن تكرار هذه الظواهر بشكل عنيف وغير منتظم قد يربك التوازنات الإيكولوجية البحرية، ويؤثر على استقرار المصايد، خصوصًا الصيد الساحلي والتقليدي، الذي يرتبط مباشرة بحالة البحر والظروف المناخية.

بين المخاطر والمكاسب المائية

من جهة أخرى، أبرز الدكتور قروق أن هذه التساقطات تظل ذات أثر إيجابي على مستوى تعزيز الموارد المائية، من خلال رفع مخزون السدود، وهو ما ينعكس إيجابًا على قطاعات حيوية، في مقدمتها الفلاحة، إضافة إلى الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالماء.

وخلاصة القول، فإن الأمطار الغزيرة الحالية تعكس واقعًا مناخيًا جديدًا يتسم بتطرف الظواهر، ما يستدعي مقاربة شمولية تجمع بين تعزيز الجاهزية الوقائية، وتكييف السياسات العمومية، بما يشمل المجالين البري والبحري، حفاظًا على الأمن المائي واستدامة الثروة السمكية في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *