البحر أنفو – 28/12/2025 لم يكن الاجتماع الأخير حول الصناديق البلاستيكية الموحدة اجتماعًا تقنيًا عاديًا، بقدر ما كان لحظة كاشفة أعادت طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة. اجتماع قيل إنه حاسم، وكان من المفروض أن يُتوَّج بالاتفاق النهائي حول لون الصناديق البلاستيكية التي سيجري اعتمادها داخل أسواق السمك، فإذا به يُسجّل غيابات ثقيلة المعنى، أربكت المشهد أكثر مما وضحته.
ثلاث غرف للصيد البحري غابت بالكامل، باستثناء حضور ممثل وحيد عن غرفة أكادير، في وقت اختفت فيه أطراف كانت حاضرة بقوة في الاجتماعات السابقة، وتدافع بحرارة عن “توحيد الصناديق” باعتباره مدخلًا للإصلاح والتنظيم. هذا الغياب لم يمر مرور الكرام، لأنه تزامن مع لحظة مفصلية كان يفترض أن تُحسم فيها التفاصيل الأخيرة، لا سيما لون الصناديق الموحدة، وهو تفصيل يبدو بسيطًا في الظاهر، لكنه في العمق عنوان لرهانات أكبر.
الأكثر إثارة للانتباه ليس فقط الغياب، بل “التخريجة” الجديدة التي طُرحت بهدوء، وكأنها حل توافقي: نعم للصناديق الموحدة، لكن مع الاحتفاظ بالصناديق القديمة الموجودة لدى كبار الماريورات لسنوات إضافية، بدعوى أنها “ما تزال جديدة”. لا حديث عن تدويرها، ولا عن تعويضها، ولا عن فتح باب الولوج إلى الصناديق الحديثة المتفق بشأنها. فقط تمديد زمني غير محدد، يعيد إنتاج نفس الواقع تحت غطاء جديد.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي: أي توحيد هذا الذي يُبقي أدوات السوق غير موحدة؟ وأي إصلاح ذاك الذي ينطلق من تثبيت امتيازات قائمة بدل تفكيكها؟ إذا كانت الصناديق القديمة ستظل تشتغل جنبًا إلى جنب مع الصناديق الجديدة، فأين هو مبدأ تكافؤ الفرص؟ وأين هو الوعد بإنهاء “استعمار” المراكب الصغيرة من طرف منظومة تتحكم في أدوات النقل والتخزين والتسويق؟
اللافت أن هذا الطرح لم يُقدَّم في نقاش عمومي واسع، ولم يُفتح بشأنه حوار صريح مع المهنيين الصغار، بل تسلل كخيار “واقعي” لتفادي الصدام، بينما قد يكون في الحقيقة مجرد تأجيل لصدام أكبر. لأن الإبقاء على الصناديق القديمة، دون مسار واضح لإدماجها أو تدويرها أو تعويضها، يعني عمليًا الحفاظ على بنية احتكارية، حتى وإن تغير لون البلاستيك.
تُطرح هنا أسئلة لا يمكن القفز عليها: هل نحن أمام استراتيجية إصلاحية حقيقية تراعي تدرج الانتقال وتوازن المصالح، أم أمام لعبة جديدة لإعادة توزيع الزمن فقط، حتى تبقى مراكز القوة على حالها؟ هل يُراد فعلًا تحرير السوق من هيمنة أدوات بعينها، أم الاكتفاء بـ“ذر الرماد في العيون” عبر شعارات التوحيد والرقمنة والتحديث؟
الأكثر غموضًا هو ما لا يُقال في القاعات الرسمية. ماذا يدور في الكواليس؟ ماذا يُحاك داخل الغرف المغلقة واللقاءات غير المعلنة؟ ولماذا يغيب من كانوا بالأمس في الصفوف الأمامية للدفاع عن هذا الورش؟ هل لأن موازين النقاش تغيرت؟ أم لأن التوافقات الحقيقية تُصنع بعيدًا عن الطاولات المشتركة؟
الورش، في جوهره، ليس ورش صناديق بلاستيكية فقط، بل ورش عدالة داخل السلسلة التجارية للسمك. إما أن يكون مدخلًا حقيقيًا لكسر الاحتكار وإعادة توزيع الأدوات بشفافية، أو يتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل الإصلاحات المؤجلة، التي تغيّر الشكل وتُبقي الجوهر.
ما يحتاجه القطاع اليوم ليس فقط لونًا موحدًا للصناديق، بل رؤية واضحة، زمنًا محددًا للانتقال، وآلية عادلة تُمكّن الجميع من الولوج إلى نفس الأدوات، دون استثناءات مبطنة أو امتيازات مؤجلة. غير ذلك، سيظل السؤال معلقًا: هل نحن أمام إصلاح يُطبخ على نار هادئة لخدمة الجميع، أم أمام وصفة أخرى تُعدّ في الخفاء… ولا يتذوقها إلا القليل؟