البحر أنفو – 02/01/2026 حين يمرض البحّار… يسقط الجسد وتغرق الأسرة في المعاناة
لم تمضِ سوى أيام قليلة على تقاعد البحّار سعيد آيت عابد حتى انقلبت فرحة نهاية سنوات العمل الشاق إلى محنة قاسية. جسد أنهكته عقود من البحر، ومن البرد والرطوبة والسهر والخطر، لم يصمد طويلًا. سقط الرجل مريضًا طريح الفراش، لتبدأ معه رحلة أخرى، أشد قسوة من أمواج البحر: رحلة المرض، والعلاج، والقلق اليومي، ومعاناة أسرة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة واقع مؤلم.
تنقّل سعيد بين المصحات، وتشبثت أسرته بخيط الأمل، ساندته ورافقته، وبذلت ما في وسعها لتأمين العلاج، لكن المرض كان أقسى، والقدَر كان أسرع، ليُسلّم الروح إلى بارئها، تاركًا وراءه سؤالًا كبيرًا لا يموت: لماذا يعاني البحّار حتى بعد تقاعده؟
البحّار لا يخرج من البحر سليمًا. هو يخرج محمّلًا بأمراض مزمنة تراكمت بصمت: داء السكري، ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، السرطان، آلام المفاصل، أمراض البرد والرطوبة… أمراض ورثها عن سنوات من العمل القاسي في ظروف لا ترحم. وحين يُحال على التقاعد، لا يُحال معه هذا الإرث الثقيل على منظومة حماية حقيقية، بل يُترك ليواجه مصيره بأجرة تقاعدية هزيلة، لا تكفي للعلاج، ولا تضمن عيشًا كريمًا، ولا تحمي الأسرة من السقوط في دوامة الحاجة.
كيف يُعقل أن من أفنى عمره في البحر، يطعم البلاد من خيراته، يحرس الأمن الغذائي، ويخاطر بحياته يوميًا، ينتهي به المطاف عاجزًا عن شراء دوائه؟
كيف يُترك البحّار بعد التقاعد وحيدًا أمام المرض، بينما أسرته تُستنزف نفسيًا وماديًا؟
ولماذا لا يكون للبحّار تقاعد مريح، يضمن كرامته، ويحمي زوجته وأبناءه من الفقر بعد رحيله؟
رحيل سعيد آيت عابد ليس حالة معزولة، بل صورة متكررة لواقع صامت. بحّار يموت، وأطفال يُتركون خلفه، وأسرة تُصارع الغلاء وتكاليف الحياة بأجرة تقاعد لا تليق لا بتضحيات الأب ولا بسنوات العطاء. السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه: لماذا يُكافأ البحّار بالهشاشة بدل الأمان؟ ولماذا لا تُراجع منظومة التقاعد والتغطية الصحية لهذه الفئة التي دفعت صحتها ثمنًا للتنمية؟
إن الحديث عن البحّار لا يجب أن يتوقف عند وفاته، بل يجب أن يتحول إلى نقاش وطني جاد حول العدالة الاجتماعية، والحق في تقاعد كريم، ورعاية صحية حقيقية، تحفظ كرامة الإنسان وهو حي، وتصون أسرته بعد رحيله.
رحم الله البحّار سعيد آيت عابد، وجعل قصته صرخة في وجه الصمت، لعلها توقظ ضميرًا، أو تحرّك سياسة، أو تُنقذ بحّارًا آخر من أن يموت مرتين: مرة بالمرض، ومرة بالإهمال.