بقلم نقابي كدشي من الزمن الجميل : حين تنقلب النقابة إلى مظلة للانحراف: أزمة قيم قبل أن تكون أزمة قوانين «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»… مقولة أسيء فهمها، وأسيء توظيفها، حتى تحولت عند بعض التنظيمات المهنية من دعوةٍ لإيقاف الظلم إلى ذريعةٍ لتكريسه. وهنا تبدأ المأساة: حين تختلط النصرة بالتحايل، والدفاع بالتماهي مع الخطأ، والالتزام النقابي بالتستر المقنّع.
في أصلها، لم تُنشأ التنظيمات المهنية لتكون ملاذًا آمنًا للمخالفين، ولا حصنًا يحتمي خلفه من يخرق القانون أو يسيء للمهنة. بل قامت على مبادئ سامية، في مقدمتها حماية شرف المهنة، وصون كرامة المنتسبين إليها على قدم المساواة، دون تمييز أو انتقائية، وضمان احترام القوانين والأخلاقيات التي تُنظم العمل المهني وتمنحه مشروعيته المجتمعية.
التنظيم المهني، حين يكون سليم البوصلة، لا يصنع فقط إطارًا للدفاع عن الحقوق، بل يُنتج نموذجًا أخلاقيًا يعكس الاستقامة والنزاهة ويمنح الثقة. غير أن بعض هذه التنظيمات، وللأسف، فقدت بوصلتها. فبدل أن تكون ضميرًا جماعيًا يراقب ويُقوّم، تحولت إلى مظلةٍ واقية للانحراف، ودرعٍ مؤسسي يلتف حول المخالفين، لا لحمايتهم من الظلم، بل لحمايتهم من المساءلة. وهنا ينتقل التنظيم من موقع الفاعل الإصلاحي إلى موقع الشريك الصامت، وربما المتواطئ.
يبدأ هذا الانحراف غالبًا من لحظة الخلط الخطير بين الدفاع عن العضو والدفاع عن الخطأ. فبدل أن تُمارس المحاسبة الداخلية كآلية تصحيح، تُفرغ من مضمونها، وتُستبدل بلجان شكلية، وتأويلات مطاطة للقوانين، وخطابات تضامن أعمى ترفع شعار “نصرة الزميل” ولو كان ظالمًا. ومع الوقت، يصبح الانتماء التنظيمي أقوى من العدالة، وأعلى من القانون، وأقدس من حقوق الضحايا.
وتعتمد هذه التنظيمات المنحرفة على ترسانة من الأساليب؛ من التضامن غير المشروط، إلى استغلال الثغرات القانونية، مرورًا بممارسة الضغط المؤسسي أو الإعلامي، وصولًا إلى شيطنة المتضررين وتصويرهم كخصوم للمهنة أو مهددين “لوحدتها”. هكذا يُعاقَب المشتكي بدل المُدان، ويُسكت الصوت المطالب بالحق باسم “سمعة التنظيم”.
النتيجة المباشرة لهذا السلوك هي تقويض مبدأ سيادة القانون. فحين يشعر المخالف أن وراءه تنظيمًا يحميه، تتآكل هيبة المحاسبة، ويتحول القانون إلى نصٍّ قابل للتجاوز. أما الضحية، فتُترك وحيدة في مواجهة شبكة من الصمت والنفوذ، ما يولد شعورًا قاسيًا بالغبن، ويضرب الثقة في العدالة وفي المؤسسات معًا.
ولا يتوقف الضرر عند حدود الأفراد، بل يمتد ليصيب المهنة في صميمها. فالتستر على الفاسدين لا يحمي المهنة، بل يُدنّس صورتها، ويُسيء إلى الأغلبية الشريفة التي تؤدي عملها بنزاهة. ومع تراكم هذه الممارسات، تتسع الفجوة بين المجتمع والتنظيمات المهنية، ويُنظر إليها ككيانات مغلقة تخدم مصالح أعضائها على حساب الصالح العام.
إن معالجة هذا الخلل لا تكون بتقويض التنظيمات المهنية أو إضعافها، بل بإعادة بنائها على أسس أخلاقية وقانونية صلبة. تنظيم مهني قوي هو ذاك الذي يملك الشجاعة لمحاسبة أعضائه قبل أن يُحاسَبوا خارجيًا، ويفصل بوضوح بين الدفاع عن الحقوق المشروعة والتستر على الانتهاكات، ويؤمن أن النزاهة لا تُهدد التنظيم، بل تحصّنه.
في النهاية، التنظيم الذي يحمي الظالمين لا يحمي نفسه، بل يُسرّع انهياره الأخلاقي، ويفقد شرعيته في نظر المجتمع. أما التنظيم الذي يجعل العدالة فوق الولاءات الضيقة، فيكسب احترام الناس، ويصون المهنة، ويثبت أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم النفوذ، بل بصلابة القيم.
نقابي كدشي من الزمن الجميل