عاجل
14 يناير 2026 على الساعة 12:24

الموانئ المغربية في أفق جديد: استثمار استراتيجي يعيد رسم خريطة التنافسية البحرية

البحر أنفو – 14/01/2026 الموانئ المغربية في أفق جديد: استثمار استراتيجي يعيد رسم خريطة التنافسية البحرية متابعة:

يدخل النظام المينائي المغربي مرحلة مفصلية جديدة، عنوانها الاستثمار المهيكل، الحكامة المتقدمة، والتحول الأخضر والرقمي. فمع برنامج استثماري يتجاوز 350 مليار درهم خلال الفترة 2026-2028، تضع الوكالة الوطنية للموانئ (ANP) أسس دورة تحديث غير مسبوقة، تروم تعزيز الدور الاستراتيجي للموانئ كمحركات رئيسية للتجارة الخارجية والتنمية الاقتصادية للمملكة.

هذا البرنامج الطموح، الذي خُصص له غلاف مالي يقارب 3,8 مليارات درهم، يعكس تحوّلاً نوعياً في رؤية تدبير الموانئ، من منطق البنيات التحتية التقليدية إلى منظومة متكاملة للأداء والنجاعة والاستدامة.

استثمار ذكي وتدرج محسوب

اختارت الوكالة الوطنية للموانئ نهج التدرج والتحكم في وتيرة الاستثمار، حيث ستُعبّأ سنة 2026 وحدها 1,4 مليار درهم، في إشارة واضحة إلى اعتماد مقاربة عقلانية تراعي التوازن بين الطموح الاستثماري والاستدامة المالية.

وقد تم عرض الخطوط العريضة لهذا البرنامج خلال مجلس الإدارة المنعقد بالرباط، برئاسة وزير التجهيز والماء، نزار بركة، حيث أكد المدير العام للوكالة، مصطفى فارس، أن هذا الورش يندرج ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى، تهدف إلى تعزيز تنافسية الموانئ الوطنية ومواكبة التحولات العميقة التي يعرفها النقل البحري العالمي.

الحكامة والنجاعة… عماد التحول المينائي

يرتكز برنامج 2026-2028 على ثلاثة محاور مركزية: الحكامة الجيدة، الفعالية التشغيلية، والانتقال الأخضر والرقمي. وهي رهانات لم تعد اختيارية، بل شرطاً أساسياً للاندماج في سلاسل التجارة الدولية الحديثة.

فالوكالة تسعى إلى تحديث نموذج التدبير المينائي، من خلال تبسيط المساطر، تحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية في تنظيم الأنشطة المينائية، بما يخلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، وأكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات الفاعلين الاقتصاديين.

تنظيم السوق ومواكبة المستثمرين

على المستوى التنظيمي، تواصل الوكالة تنزيل أوراش إصلاح منظومة التقنين والمراقبة المينائية، مع الحرص على مواكبة المشغلين الخواص في إنجاز مشاريعهم الاستثمارية. هذا التوجه يعكس رغبة واضحة في إرساء علاقة شراكة متوازنة بين القطاع العام والخاص، قائمة على الثقة، وضوح القواعد، وتحفيز المبادرة.

فالرهان اليوم لا يقتصر على توسيع الأرصفة أو تعميق الأحواض، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة مينائية ذكية، قادرة على خلق القيمة المضافة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

مؤشرات مالية مطمئنة

تواكب هذه الطفرة الاستثمارية وضعية مالية صلبة، حيث تشير التوقعات إلى استمرار رقم معاملات الوكالة فوق 2,8 مليار درهم ابتداءً من سنة 2026. وهي مؤشرات تعكس متانة النموذج الاقتصادي للوكالة وقدرتها على تمويل مشاريعها دون الإخلال بتوازناتها المالية.

كما نوه أعضاء مجلس الإدارة بالنتائج المحققة خلال سنة 2025، معتبرين أنها تشكل قاعدة متينة للانطلاق نحو مرحلة استثمارية أكثر طموحاً.

الموانئ… قلب التجارة الخارجية

في هذا السياق، شدد وزير التجهيز والماء على أن الموانئ تشكل رافعة استراتيجية للتجارة الخارجية المغربية، وعنصراً حاسماً في تموقع المملكة قارياً ودولياً. وأبرز أن دور الوكالة لا يقتصر على التدبير التقني، بل يمتد إلى تنسيق وتكامل تدخلات مختلف الفاعلين داخل المنظومة المينائية.

عودة قوية للدار البيضاء إلى خريطة السياحة البحرية

في موازاة هذا الورش الهيكلي، يبرز ميناء الدار البيضاء كنموذج للتحول الناجح. فالمحطة الجديدة للسفن السياحية، التي دشنها جلالة الملك محمد السادس في شتنبر 2025، سجلت منذ انطلاقها استقبال 53 سفينة ونحو 94 ألف مسافر، في أرقام تعكس عودة قوية للعاصمة الاقتصادية إلى مسارات الرحلات البحرية الدولية.

وتعزز هذه الدينامية الشراكة مع Global Ports Holding، المشغل العالمي الرائد، الذي يتولى تدبير المحطة منذ يناير 2026، ما يمنح الدار البيضاء ولوجاً مباشراً إلى الشبكات العالمية لشركات الكروز، ويرفع من جاذبيتها السياحية والاقتصادية.

أفق استراتيجي واعد

من خلال هذا البرنامج الثلاثي، تؤكد الوكالة الوطنية للموانئ أنها لا تشتغل بمنطق الظرفية، بل وفق رؤية استراتيجية واضحة، تجعل من الميناء فضاءً للإنتاج، التنافسية، والاستدامة.

إنها مرحلة جديدة تُعيد رسم دور الموانئ المغربية، ليس فقط كبوابات للتجارة، بل كمنصات متقدمة لتموقع المغرب في قلب التحولات الاقتصادية واللوجستية العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *