عاجل
17 يناير 2026 على الساعة 11:28

سباق الوقود الأخضر في أوروبا : أربع دول ترسم ملامح الشحن البحري بلا كربون

البحر أنفو – 17/01/2026 سباق الوقود الأخضر في أوروبا: أربع دول ترسم ملامح الشحن البحري بلا كربون متابعة:

بعيدًا عن أحواض بناء السفن العملاقة في آسيا، وبعيدًا أيضًا عن مراكز النفط التقليدية في الشرق الأوسط، يتشكل بهدوء تحوّل استراتيجي قد يعيد رسم خريطة الطاقة البحرية العالمية. هذا التحول تقوده أربع دول أوروبية اختارت التحرك مبكرًا وبسرعة غير معتادة لبناء البنية التحتية التي قد تحدد مستقبل وقود النقل البحري لعقود قادمة: إسبانيا، الدنمارك، النرويج، وفرنسا.

وفق أحدث معطيات مرصد الوقود البحري الإلكتروني التابع لمنظمة Transport & Environment، تبرز هذه الدول كقلب نابض لجهود إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته من الوقود الاصطناعي، مثل الإي-ميثانول والإي-أمونيا، وهي الخيارات التي يعوّل عليها قطاع الشحن البحري لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات بحلول 2030 والوصول إلى الحياد الكربوني في أفق 2050.

خريطة جديدة للطاقة البحرية

الدراسة ترصد ما يقارب 80 مشروعًا مؤكدًا أو معلنًا في مختلف أنحاء أوروبا، من شأنها — نظريًا — إنتاج نحو 3.6 ملايين طن مكافئ نفط من الوقود الإلكتروني بحلول 2032، في حال دخولها جميعًا حيز التشغيل. ورغم أن هذه الكمية لا تزال محدودة مقارنة بالاستهلاك الحالي للوقود البحري، فإن أهميتها تكمن في تركّزها الجغرافي، ما يمهّد لظهور مراكز تزويد جديدة قد تتحول إلى نقاط ارتكاز للشحن العالمي.

الدنمارك في الصدارة… وإسبانيا تلاحق

تتقدم الدنمارك هذا السباق بوضوح، مع 14 مشروعًا قيد التطوير قادرة، نظريًا، على إنتاج ما يعادل 3.6 ملايين طن مكافئ نفط سنويًا من الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، موزعة على عدة قطاعات، من بينها النقل البحري.

تأتي إسبانيا في المرتبة الثانية، عبر ثمانية مشاريع تمثل نحو 9% من القدرة الأوروبية الإجمالية، مستفيدة من ما يُعرف بـ“أودية الهيدروجين” الصاعدة، ومرتبطة بشكل وثيق بموانئ استراتيجية كـ الجزيرة الخضراء وبلباو.

أما النرويج وفرنسا، فرغم محدودية قدرتهما الإجمالية مقارنة بالدنمارك وإسبانيا، إلا أنهما تتميزان بكون نسبة كبيرة من إنتاجهما موجهة خصيصًا للقطاع البحري. ففرنسا تخصص كامل إنتاجها المتوقع لهذا الغرض، مقابل 63% في إسبانيا، و53% في النرويج، و42% في الدنمارك.

من المشاريع إلى الواقع: نموذج كاسو الدنماركي

التحول من التخطيط إلى التنفيذ لا يزال محدودًا، لكن الدنمارك سجلت اختراقًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد. ففي مايو 2025، دخلت منشأة كاسو (Kassø) حيز التشغيل، لتصبح أول مصنع تجاري واسع النطاق لإنتاج الإي-ميثانول الأخضر في العالم.

المنشأة، التي طورتها شركتا European Energy وMitsui، تنتج نحو 42 ألف طن سنويًا من الإي-ميثانول اعتمادًا على الكهرباء المتجددة وثاني أكسيد الكربون الحيوي، ويُوجَّه جزء من إنتاجها مباشرة إلى شركة ميرسك لتشغيل سفنها مزدوجة الوقود. في قطاع طالما طغت عليه الوعود النظرية، تمثل كاسو دليلًا عمليًا على إمكانية الانتقال إلى وقود بحري منخفض الكربون.

زخم أوروبي… لكن الأساس لا يزال هشًا

ورغم هذا التقدم، تحذر Transport & Environment من الإفراط في التفاؤل. فأقل من 5% فقط من القدرة الإنتاجية المعلنة مخصصة حاليًا لمشاريع يكون فيها النقل البحري هو المستخدم النهائي الرئيسي، وعدد ضئيل منها فقط بلغ مرحلة القرار الاستثماري النهائي أو بدأ التشغيل الفعلي.

الغالبية الساحقة من المشاريع لا تزال حبيسة المكاتب، عرضة لتقلبات الاقتصاد، وضبابية السياسات، والمنافسة الشرسة من قطاعات أخرى على نفس موارد الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة.

السياسة… كلمة السر

الإطار التنظيمي الأوروبي سيكون حاسمًا في تحديد مصير هذا التحول. فبموجب تشريع FuelEU Maritime، يُطلب من السفن التي ترتاد موانئ الاتحاد الأوروبي خفض كثافة انبعاثاتها تدريجيًا، وصولًا إلى تقليص بنسبة 80% بحلول 2050 مقارنة بالوقود الأحفوري.

كما أعلنت المفوضية الأوروبية تخصيص ما لا يقل عن ملياري يورو ضمن خطة الاستثمار في النقل المستدام لدعم الوقود البديل، بما فيه الوقود الأخضر البحري. غير أن هذه الإشارات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لإقناع العديد من المستثمرين بالمضي قدمًا في مشاريع مكلفة ومعقدة تقنيًا.

سباق ضد الزمن

يمثل النقل البحري الدولي نحو 3% من الانبعاثات العالمية، وقد التزمت المنظمة البحرية الدولية بالوصول إلى صفر انبعاثات صافية بحلول 2050. ومع استحالة كهربة السفن العابرة للمحيطات على نطاق واسع، يبقى الإي-ميثانول والإي-أمونيا من بين الحلول القليلة القابلة للتوسع، رغم تكلفتها العالية وخسائر التحويل الكبيرة المرتبطة بها.

في هذا السياق، يمنح تحرك إسبانيا والدنمارك والنرويج وفرنسا أوروبا فرصة حقيقية لقيادة سلسلة قيمة عالمية جديدة للوقود البحري الأخضر. لكن هذه الريادة تظل مشروطة: دون إشارات طلب واضحة، وتسعير صارم للكربون، ودعم مالي مستدام، قد تبقى كثير من هذه المشاريع حبرًا على ورق.

السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة. فإما أن تتحول هذه الخطط إلى منشآت من فولاذ وخرسانة تغيّر وجه الملاحة العالمية، أو تضيع الفرصة في بحر من التردد السياسي والاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *