البحر انفو – 19/01/2026 ربابنة السردين : قوة البحر الغائبة عن القرار أو حين يغيب ربابنة السردين عن موائد القرار متابعة:
يطرح واقع الصيد الساحلي، صنف السردين، تساؤلات عميقة ومقلقة حول الغياب شبه التام لتمثيلية حقيقية وقوية لفئة تُعد العمود الفقري للقطاع، ويتعلق الأمر بالربابنة والسرادلية، الذين يتحملون المسؤولية الأولى في البحر، من قيادة المراكب إلى تنفيذ القوانين واحترام تدابير التدبير، لكنهم، paradoxalement، يعجزون اليوم عن فرض حضورهم داخل دوائر القرار المهني والمؤسساتي.
ففي كل محطة مفصلية، وفي كل اجتماع مصيري تُناقش فيه قضايا تمس حاضر ومستقبل القطاع، يحضر المجهزون بصفتهم التنظيمية الواضحة، بينما يغيب الربابنة كجسم موحد، ويُستعاض عن حضورهم بوساطات ظرفية، أو أفراد يتحدثون باسمهم دون أي تفويض حقيقي أو شرعية تمثيلية. وضع يطرح أكثر من علامة استفهام: لماذا لم يستطع ربابنة السردين على غرار ربابنة الصيد بالجر إلى اليوم، تأسيس إطار جامع، كنفدرالية أو هيئة مهنية قوية، تمثلهم وتدافع عن مواقفهم وتشارك باسمهم في صياغة القرارات؟
الواقع يكشف أن ربابنة مراكب صيد السردين أنفسهم باتوا منقسمين إلى فئات متباينة، وهو انقسام أفقدهم الوزن والقيمة داخل القطاع. فئة أصبحت شريكة في المراكب إلى جانب المجهزين، ما يجعل صوتها مكبلاً بحسابات المصالح، غير قادرة على الجرأة أو الاختلاف. وفئة أخرى محسوبة على “ربابنة تابعين”، فاقدين للاستقلالية والقدرة على اتخاذ موقف مهني واضح. ثم فئة ثالثة لا يهمها أي شيء، منخرطة في جمعيات استُنفدت صلاحياتها ولم تعد لها أي فعالية، تاركة الساحة المهنية فارغة من أي إطار قادر على لمّ الشمل.
هذا التشتت لا يمكن اعتباره مجرد صدفة أو ضعف تنظيمي عابر، بل هو أحد أخطر مظاهر الاختلال داخل قطاع الصيد الساحلي صنف السردين اليوم، لأن الربابنة ليسوا فاعلين هامشيين، بل هم صناع القرار الحقيقيون في البحر، وهم من يتحملون مسؤولية الصيد، واحترام فترات الراحة البيولوجية، وتنزيل القوانين، والتعامل اليومي مع واقع الثروة السمكية. ومع ذلك، يُقصَون عملياً من النقاشات الكبرى، أو يقصون أنفسهم، تاركين المجال لغيرهم ليتحدث باسمهم.
ويزداد هذا الغياب خطورة في سياق دقيق يمر به قطاع الصيد الساحلي صنف السردين، الذي يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فالتراجع المقلق للثروة السمكية، خصوصاً الأسماك السطحية الصغيرة، يضع الجميع أمام واقع جديد، أصبحت فيه فترات الراحة البيولوجية المعتمدة غير كافية لمواجهة الضغط المتزايد على المصايد. وهو وضع ينبئ بقرارات صعبة ومصيرية قادمة، تتطلب نقاشاً عميقاً ومسؤولاً، لا يمكن أن يُختزل في مقاربات تقنية أو إدارية معزولة عن صوت البحر.
ويأتي فوق ذلك تراكم ملفات خلافية شائكة، من قبيل قضية الصناديق البلاستيكية، والعمل بنظام “العقدة”، والبيع بالدلالة، وهي كلها ملفات تمس جوهر الممارسة اليومية للربابنة، ومع ذلك يُناقش معظمها في غيابهم أو دون تمثيلية حقيقية تعكس رؤيتهم وتجربتهم الميدانية.
اليوم، الربابنة مشتتون في مجموعات صغيرة، لكل مجموعة توجهها وحساباتها، وفي هذا التشرذم يضيع صوت المسؤولين الأولين عن الصيد، وتُهدر قيمتهم المهنية، حتى إنهم في اجتماعات بسيطة يضطرون إلى البحث عن وسطاء للحديث مع الإدارة أو الجهات الوصية، في مشهد يختزل عمق الأزمة أكثر مما يخفيها.
ويبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل هذا الغياب نابع من خوف حقيقي من المجهزين؟ أم هو اصطفاف صامت إلى جانبهم بحكم الشراكات المالية وامتلاك حصص في المراكب؟ أم أن القطاع يدفع اليوم ثمن سنوات من غياب الرؤية والتنظيم داخل فئة كان يفترض أن تكون قوة اقتراحية مركزية؟
ما هو مؤكد أن استمرار هذا الوضع لا يخدم لا الربابنة ولا القطاع ككل، وأن أي إصلاح حقيقي للصيد الساحلي لن يكون ممكناً دون تمثيلية ربابنة قوية، مستقلة، وذات شرعية مهنية، قادرة على المشاركة في اتخاذ القرار، والمساهمة في تطوير القطاع، والدفاع عن استدامة الثروة السمكية بمنطق المسؤولية لا بمنطق الخضوع أو المصالح الضيقة.