عاجل
22 أكتوبر 2025 على الساعة 11:16

حين تتكلم الأسماك السطحية الصغيرة بلغة المناخ..البحر يتغير والمغرب أمام امتحان الاستدامة بعد تراجع المصايد بنسبة 40%

البحر أنفو – 22/10/2025 لغز السردين: البحر يتغيّر والمغرب أمام منعطف تاريخي متابعة:

في زمن أصبحت فيه حرارة المحيطات تُقاس مثل نبض الكائن الحي، لم تعد الأسماك الصغيرة مجرد مورد غذائي أو ركيزة اقتصادية، بل مؤشراً بيئياً على تبدّل وجه البحر.
بالرباط، التأم عشرات من كبار الخبراء والعلماء الدوليين في ندوة دولية حول الأسماك السطحية الصغيرة، نظمها قطاع الصيد البحري، لمناقشة تحديات المناخ والمخزون السمكي. كان العنوان الظاهر هو “السردين والأنشوفة”، لكن الموضوع الحقيقي كان أعمق بكثير: كيف يتعامل المغرب مع محيط في حالة اضطراب؟

بحر يتغير بسرعة غير مسبوقة

أجمع المتدخلون على أن البحر المغربي يعيش تحوّلات بنيوية مقلقة.
فالموجات الحرارية البحرية تتكرر بوتيرة مرتفعة، والبلانكتون، أساس السلسلة الغذائية البحرية، يعرف تراجعًا حادًا.
وفي الموانئ من الداخلة إلى الحسيمة، صار الصيادون يلاحظون ذلك يوميًا: الأسماك أقل حجمًا، المواسم أكثر اضطرابًا، والمصايد أقل إنتاجًا.
الأرقام تتحدث بوضوح: انخفاض في الكميات المصطادة بنسبة تقارب 40% خلال سنة واحدة، ما يجعل الوضع الحالي ناقوس إنذار حقيقي لبلد يُعدّ أول منتج للأسماك السطحية الصغيرة في إفريقيا.

العلم في مواجهة تقلبات البحر

العلماء أجمعوا على عبارة واحدة: “المناخ أصبح المتحكم الأول في الثروة السمكية”.
وقدّم الباحث الصيني شِيزو وانغ تجربة مبتكرة لعوامات ذكية تقيس الحرارة والتيارات والكتلة الحيوية لحظة بلحظة، وهي تكنولوجيا منخفضة التكلفة يمكن أن تشكل عيونًا علمية تراقب صحة البحر المغربي في الزمن الحقيقي.

من جانبه، عرض خبير منظمة الأغذية والزراعة الدكتور أرنو لو بريس معطيات مثيرة حول المنطقة البحرية بين الكناري والصحراء، التي أصبحت اليوم إحدى البؤر الساخنة عالميًا للاحتباس الحراري البحري.
فالمعطيات تشير إلى انخفاض متواصل في نسبة الكلوروفيل، وارتفاع مستمر في حرارة المياه، وتراجع في الإنتاج البيولوجي. لذلك دعا الخبير إلى دمج المعطيات المناخية في نظام الحصص المغربي، معتبرًا ذلك “عملًا عصريًا وضرورة بقاء”.

دروس من تجارب العالم

البرتغال، جنوب إفريقيا، والبيرو قدمت للمغرب نماذج مختلفة بين النجاح والإخفاق.
في البرتغال، حين انهارت مخزونات السردين في العقد الماضي، كان القرار العلمي هو إغلاق مناطق الصيد مؤقتًا لحماية المورد. وبعد سنوات من الالتزام والانضباط، عادت السردين بقوة، وأصبحت التجربة نموذجًا في العالم.
أما جنوب إفريقيا فاختارت منذ عشرين عامًا قاعدة بسيطة: العِلم يقرر، والسياسة تطبّق.
فكل سنة تُراجع حصص الصيد وفقًا للبيانات الصوتية والبيولوجية، ما حافظ على التوازن بين البيئة والاقتصاد والعمالة.
في المقابل، البيرو تمثل الوجه المظلم للمعادلة: صيد مفرط، تزايد في استغلال صغار الأسماك، وتوجيه الإنتاج نحو دقيق السمك بدل الغذاء البشري، وهو ما أدى إلى فقدان فرص عمل واستنزاف الثروة.
كما شددت الخبيرة باتريسيا مايلوف على أن “توجيه الإنتاج نحو الاستهلاك البشري يخلق ثلاثة أضعاف فرص العمل مقارنة بصناعة الدقيق”.

المغرب في موقع المفترق

يحتل المغرب موقعًا استثنائيًا بين التيارين الباردين للكناري وبنغويلا، وهما من أكثر النظم البيئية إنتاجية على الكوكب، لكن أيضًا من أكثرها هشاشة.
هذه الجغرافيا البحرية تمنح المغرب فرصة تاريخية ليكون مركز التوازن بين استدامة البيئة ونمو الاقتصاد الأزرق، شرط أن يتبنى رؤية جديدة في إدارة موارده البحرية.

توصيات علمية من أجل بحرٍ قابل للحياة

الندوة خرجت بمجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تشكل خريطة طريق واضحة لمستقبل الصيد بالمغرب:

إحداث مرصد وطني للمحيط والمناخ والصيد لتتبع المؤشرات البيئية بشكل مستمر ودقيق.

توحيد وجعل جمع بيانات الصيد معيارياً بين الموانئ والمصايد، خصوصًا حول الجهد المبذول ونسبة الصيد من الأسماك الصغيرة.

تنظيم حملات مسح صوتي نصف سنوية على غرار التجارب الرائدة في البرتغال وجنوب إفريقيا.

اعتماد نظام مرن لتدبير الحصص يعتمد على مؤشرات بيولوجية ومناخية بدل القرارات الثابتة.

تثمين الأسماك الصغيرة للاستهلاك البشري من خلال تطوير صناعات التحويل والتصبير، وخلق قيمة مضافة محلية وتشغيل مستدام.

نحو عهدٍ أزرق جديد

في ختام اللقاء، كان المزاج العام مزيجًا من القلق والأمل، حيث اتفق الكل على أن “ الأسوأ ليس حتميًا، لكنه مرجّح إن تأخرنا في الفعل ”.
الأسماك الصغيرة ليست مجرد مورد اقتصادي، بل مؤشر على صحة البحر المغربي نفسه. ولذلك، فإن الرهان اليوم لا يقتصر على العلم والتكنولوجيا، بل يمتد إلى الإرادة السياسية والعدالة في توزيع الجهد والمردود بين المجهزين والبحارة والفاعلين الصناعيين.

فالعِلم، كما قال رابيليه، “بلا ضمير هو خراب للروح ”، والمغرب، وقد جمع بين البحر والعِلم، مدعو اليوم إلى أن يضيف إليهما الضمير الجماعي والإرادة، حتى لا يجد نفسه يومًا يصغي إلى صمت البحر بعد فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *