البحر أنفو – 27/01/2026 أخبار دولية وجّهت السلطات الإسبانية ضربة غير مسبوقة لشبكات تهريب المخدرات العابرة للأطلسي، عقب تفكيك ما وُصف بأكبر شبكة لتهريب الكوكايين تنشط في المجال البحري الأطلسي، في عملية أمنية واسعة النطاق كشفت حجم التعقيد الذي بلغه الإجرام المنظم المرتبط بالتهريب البحري.
العملية، التي حملت اسم “الظل الأسود”، استمرت قرابة عام كامل، وأسفرت عن توقيف 105 مشتبه فيهم خلال مرحلتين متتاليتين، مع حجز أزيد من 10,4 أطنان من الكوكايين، إضافة إلى مصادرة عشرات القوارب السريعة والمركبات ومعدات اتصال متطورة، تُقدّر قيمتها بملايين اليوروهات. وتشير تقديرات المحققين إلى أن الشبكة نجحت في تهريب ما يقارب 57 طناً من الكوكايين نحو أوروبا خلال سنة واحدة فقط.
وشملت التدخلات الأمنية 49 عملية تفتيش متزامنة في مناطق متفرقة من التراب الإسباني، من جزر الكناري إلى الموانئ القارية، حيث جرى حجز 70 مركبة، و30 زورقاً، وستة عقارات، وثلاث أسلحة نارية، إضافة إلى أكثر من 800 ألف يورو نقداً، في واحدة من أضخم عمليات مكافحة المخدرات في تاريخ إسبانيا.
وكشفت التحقيقات أن الشبكة اعتمدت بنية لوجستية بحرية شديدة التطور، قوامها زوارق فائقة السرعة تتجاوز 40 عقدة بحرية، كانت تُستخدم أساساً خلال فترات الليل، وتنطلق من نقاط ساحلية معروفة على نهر الوادي الكبير وسواحل قادس وهويلفا وألميريا، إضافة إلى جزر الكناري، مع امتدادات تشغيلية انطلاقاً من المغرب والبرتغال.
وكانت عمليات التهريب تتم عبر تنسيق محكم مع ما يُعرف بـ“سفن الأم” المتمركزة في عرض المحيط الأطلسي، حيث تُنقل شحنات الكوكايين في عرض البحر قبل أن تتكفل الزوارق السريعة بإدخالها إلى السواحل الإسبانية. ولتفادي الرصد، اعتمدت الشبكة وسائل اتصال مشفرة، وهواتف غير قابلة للتتبع، ومحطات أقمار صناعية، إلى جانب استخدام لغة رمزية لتبادل المعلومات.
وأظهرت المعطيات الأمنية أن أفراد الشبكة كانوا قادرين على البقاء في عرض البحر لأكثر من شهر متواصل، بفضل منصات بحرية عائمة تُستخدم كنقاط إمداد، تُمكّنهم من تنفيذ عمليات تهريب متتالية دون الحاجة للعودة إلى الموانئ. كما أنشأت الشبكة منظومة تموين ذاتية، استهلكت أكثر من 100 ألف لتر من الوقود، مع أسطول دعم مكلف بتزويد القوارب بالوقود والمؤن ووسائل الاتصال.
الأكثر إثارة للقلق، وفق السلطات، كان امتلاك الشبكة لنظام مراقبة ساحلي واسع، يعتمد على عناصر رصد منتشرة في نقاط استراتيجية على السواحل، كانت تتولى تتبع تحركات الدوريات البحرية والجوية الإسبانية بشكل لحظي، وإبلاغ المهربين لتفادي التدخلات الأمنية.
كما كشفت التحقيقات جانباً مظلماً من آليات الانضباط الداخلي داخل التنظيم، حيث تبيّن أن الشبكة دفعت ما يقارب 12 مليون يورو لعائلة أحد أفرادها الذي لقي حتفه خلال عملية تهريب، في خطوة هدفت إلى شراء الصمت ومنع أي تعاون محتمل مع السلطات.
وجاء نجاح هذه العملية نتيجة تنسيق دولي واسع، شاركت فيه الشرطة الوطنية الإسبانية، والوكالة الوطنية البريطانية لمكافحة الجريمة، وإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، والمديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب، إلى جانب يوروبول، والمركز البحري لتحليل ومكافحة تهريب المخدرات، وسلطات من البرتغال وفرنسا وكولومبيا والرأس الأخضر.
وفي سياق متصل، اعترضت السلطات البرتغالية شحنة منفصلة تقدر بـ6,6 أطنان من الكوكايين على متن سفينة شبه غاطسة مرتبطة بالشبكة نفسها، ما يعكس الامتداد العميق لهذا التنظيم داخل مسارات التهريب عبر الأطلسي.
وانقسمت العملية إلى مرحلتين، الأولى انتهت في يونيو 2025، وأسفرت عن توقيف 48 شخصاً وحجز 3,8 أطنان من الكوكايين، بينما ركزت المرحلة الثانية، المنجزة في نونبر 2025، على منطقة كامبو دي جبل طارق، وأسفرت عن 57 توقيفاً إضافياً، ومصادرة أكثر من 700 ألف يورو، إلى جانب معدات متقدمة للتشويش والمراقبة والطائرات المسيرة.
وشاركت وحدات تدخل خاصة من الشرطة الإسبانية في تنفيذ المداهمات، بالنظر إلى مستوى الخطورة والتعقيد الذي اتسمت به العملية، والتي جرى تمويلها جزئياً من صندوق الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي.
وتؤكد السلطات الإسبانية أن تفكيك هذه الشبكة يُمثل ضربة قاسية لتهريب المخدرات عبر الأطلسي، غير أنها تحذر في المقابل من أن شبكات التهريب تظل شديدة التكيف، ما يجعل المعركة البحرية ضد الاتجار الدولي بالمخدرات مفتوحة ومستمرة.