البحر أنفو – 05/03/2026 في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، وما نتج عنها من إعادة توجيه مسارات التجارة البحرية العالمية، يبرز المغرب كأحد أبرز المستفيدين من إعادة رسم خرائط الملاحة الدولية، خاصة بعد تحويل جزء مهم من حركة النقل البحري بين الشرق والغرب نحو الواجهة الأطلسية الإفريقية مروراً برأس الرجاء الصالح وصولاً إلى السواحل المغربية.
هذا التحول الاستراتيجي، الذي تسارع منذ مطلع مارس 2026، جعل الموانئ المغربية في قلب الدينامية اللوجستية الجديدة، خصوصاً في مجال إعادة الشحن (الترانزيت)، مع تزايد طلب شركات الملاحة العالمية على خدمات العبور وإعادة التوزيع. ويأتي ذلك امتداداً لتحولات سابقة شهدها القطاع منذ اضطرابات البحر الأحمر سنة 2024، حين أعاد الفاعلون الدوليون اكتشاف الممر الأطلسي كخيار بديل مستقر وذي جدوى اقتصادية.
ضغط متزايد على ميناء الدار البيضاء
يظل ميناء الدار البيضاء محور الضغط الأساسي في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى طاقته الاستيعابية وموقعه المحوري داخل الشبكة الوطنية. وتصل القدرة الإجمالية لمحطات الحاويات الأربع بالميناء إلى نحو 3,3 ملايين حاوية مكافئة لعشرين قدماً، موزعة بين رصيف طارق، والمحطة الشرقية، والمرفأ الوسيط، ومحطة الحاويات الثالثة.
غير أن التحولات الجارية تفرض ضرورة تسريع وتيرة إعادة التأهيل والتحديث، سواء عبر رفع أعماق بعض الأرصفة إلى 12 متراً، أو من خلال تعزيز تجهيزات المناولة، بما يسمح بتحسين مردودية العمليات وتقليص زمن الرسو والمعالجة.
الداخلة الأطلسي… رهان استراتيجي
في الأفق المتوسط والبعيد، يشكل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أهم الرهانات الجيو-لوجستية للمملكة، باعتباره دعامة أساسية لتموقع المغرب كمركز إقليمي يربط بين إفريقيا وأوروبا والأمريكتين. ومن شأن هذا المشروع أن يعزز ثنائية مينائية جديدة قوامها الدار البيضاء والداخلة، في إطار توزيع أكثر توازناً للأنشطة اللوجستية على المستوى الوطني.
ارتفاع مرتقب في أسعار الشحن
على مستوى كلفة النقل، سجلت بداية مارس 2026 تحييناً في أنظمة التأمين البحري، ما دفع شركات الملاحة إلى تفعيل رسوم إضافية مرتبطة بمخاطر الحرب، مع تفادي بعض الممرات الحساسة، وعلى رأسها قناة السويس.
وابتداءً من 3 مارس 2026، بلغ سعر شحن حاوية 20 قدماً بين الصين والمغرب حوالي 2000 دولار، مقابل 3000 دولار لحاوية 40 قدماً، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً في أسعار الشحن.
هل نحن أمام صدمة لوجستية جديدة؟
ورغم هذا الارتفاع، فإن المعطيات الحالية لا توحي بإمكانية تكرار سيناريو سنة 2021، حين بلغت مؤشرات الشحن العالمية مستويات قياسية غير مسبوقة عقب جائحة كوفيد-19، نتيجة اختلال حاد في التوازن بين العرض والطلب. فالسوق البحرية الدولية تعيش حالياً وضعية فائض في أسطول السفن، ما يحدّ من احتمالات حدوث اضطراب كبير أو صدمة لوجستية شاملة.
تموقع استراتيجي في عالم متغير
في المجمل، تعكس التطورات الجارية بداية تشكل نظام تجاري بحري أكثر اعتماداً على المسارات الأطلسية، وهو تحول يضع المغرب في موقع استراتيجي متقدم داخل سلاسل الإمداد العالمية. وبين ضغط الطلب وارتفاع تكاليف الشحن، يبقى التحدي الأساسي هو تسريع وتيرة التحديث المينائي لضمان استدامة التنافسية وتعزيز قدرة المملكة على امتصاص التحولات المقبلة بثبات ونجاعة.