عاجل
8 مارس 2026 على الساعة 16:47

من السردين إلى الموز.. مجلس المنافسة يتقصى اختلالات الأسعار في الأسواق

البحر أنفو – 08/03/2026 في ظل الجدل المتجدد حول تقلبات أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية، عاد ملف شفافية الأسواق وآليات ضبط المنافسة ليطفو على السطح من جديد، بعدما كشف رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، عن وجود مؤشرات على اختلالات محتملة وشبهات تواطؤ داخل بعض الأسواق المرتبطة بمواد استهلاكية واسعة الانتشار، من بينها سوق السردين وسوق الموز، وهي معطيات دفعت المؤسسة إلى فتح تحقيقات تروم التدقيق في طبيعة الممارسات التجارية ومدى احترامها لقواعد المنافسة الحرة.

وأوضح رحو أن مجلس المنافسة باشر بالفعل تحقيقاً في سوق الموز، عقب رصد مؤشرات أولية تفيد بوجود ممارسات قد تمس بالتوازن الطبيعي للسوق، مشيراً إلى أن التحقيق يستهدف المتدخلين في حلقات التسويق والتوزيع، وليس المنتجين. وأضاف أن المعطيات الأولية التي توصل بها المجلس أثارت شكوكا بشأن احتمال وجود ممارسات منافية لقواعد المنافسة في بعض المناطق، غير أنه شدد على أن سرية المسطرة القانونية تفرض التحفظ في الكشف عن تفاصيل إضافية مرتبطة بالمجال الجغرافي أو بطبيعة الأطراف المعنية في هذه المرحلة.

وأكد رئيس مجلس المنافسة أن التحقيقات الجارية قد تفضي إما إلى تأكيد وجود هذه الممارسات أو إلى نفيها، مبرزاً أن اتخاذ أي قرار بالعقوبات يظل رهيناً بتوفر أدلة قانونية قاطعة تثبت وقوع اتفاقات أو سلوكيات مخالفة لقواعد المنافسة. وأوضح في هذا السياق أن المجلس لا يمكنه إصدار أحكام أو فرض جزاءات في غياب حجج دامغة تثبت وقوع تواطؤ أو تنسيق غير مشروع بين المتدخلين في السوق.

وفي معرض حديثه عن طبيعة الاختلالات المحتملة، أشار رحو إلى أن بعض الممارسات قد تأخذ شكل اتفاقات ضمنية أو صريحة بين متدخلين في السوق، سواء على مستوى تحديد الأسعار أو عبر التحكم في كميات العرض من خلال التخزين أو توقيت طرح السلع في الأسواق، وهو ما قد يؤدي إلى التأثير في مستويات الأسعار وإرباك قواعد المنافسة.

وبخصوص سوق السمك، أوضح رئيس مجلس المنافسة أن المؤسسة سبق أن تدخلت في ملف السردين بعد رصد ممارسات تواطؤ بين بعض الفاعلين، مبرزاً أن المجلس عمل، في هذا الإطار، على التنسيق مع الجهة المشرفة على عمليات البيع بالجملة من أجل ترسيخ آلية المزاد العلني بشكل أكثر وضوحاً وشفافية، وهو الإجراء الذي أصبح معتمداً حالياً داخل أسواق السمك بالجملة.

وفي ما يتعلق بالنقاش المتكرر حول ارتفاع أسعار السردين لدى المستهلك النهائي، أشار رحو إلى أن أسعار البيع بالتقسيط قد تبلغ أحياناً مستويات تصل إلى نحو 30 درهماً للكيلوغرام، مؤكداً أن المدخل الأساسي لمعالجة مثل هذه الاختلالات يكمن في ضمان شفافية سوق الجملة وتوفير المعطيات المتعلقة بالأسعار بشكل واضح للعموم.

وفي هذا الصدد، أبرز أن المكتب الوطني للصيد يتيح حالياً معطيات تفصيلية حول أسعار الجملة عبر منصاته الرقمية، ما يتيح إمكانية تتبع الفوارق بين سعر البيع الأولي والسعر النهائي في الأسواق. وأوضح أن تسجيل فارق كبير بين سعر الجملة، الذي قد لا يتجاوز في بعض الحالات خمسة دراهم للكيلوغرام، وسعر البيع بالتقسيط الذي قد يصل إلى ثلاثين درهماً، يمكن أن يشكل مؤشراً على وجود مبالغة في هوامش الربح أو اختلالات محتملة في مسار التسويق.

ومع ذلك، شدد رحو على أن تدخل مجلس المنافسة لا يتم بشكل تلقائي مع كل ارتفاع في الأسعار، موضحاً أن تقلبات السوق قد تكون في كثير من الأحيان نتيجة سلوكيات تجارية معروفة دولياً، حيث يعمد بعض التجار إلى تسريع انعكاس الزيادات في الأسعار حتى قبل نفاد المخزون القديم، في حين يتريثون في عكس الانخفاضات عندما تتراجع الكلفة.

وأكد أن المجلس يتدخل أساساً عندما تتحول هذه الممارسات إلى مبالغات غير مبررة أو إلى سلوكيات منظمة قد تخل بالتوازن الطبيعي للسوق. كما أوضح أن المؤسسة لا تتدخل عادة في التقلبات الظرفية أو قصيرة الأمد، التي قد تستمر لبضعة أيام فقط، لأنها تندرج ضمن دينامية العرض والطلب الطبيعية.

وأشار رئيس مجلس المنافسة إلى أن فتح التحقيقات يتم بناء على مؤشرات قوية ومعطيات جدية تفيد بوجود احتمال لممارسات منافية لقواعد المنافسة، سواء عبر مبادرات تلقائية من المجلس أو بناء على معطيات ترصدها الجهات المكلفة بالمراقبة اليومية للأسواق.

وفي السياق ذاته، أوضح أن معالجة الارتفاعات غير المبررة في الأسعار تظل في المقام الأول من اختصاص الحكومة، باعتبارها الجهة المسؤولة عن السياسات العمومية المرتبطة بتدبير العرض وضبط الأسواق، فيما يظل تدخل مجلس المنافسة مرتبطاً أساساً برصد ومتابعة الممارسات التي قد تمس بقواعد المنافسة الحرة بين الفاعلين الاقتصاديين.

وختم رحو بالتأكيد على أن إرساء الشفافية في تحديد أسعار الجملة يمثل حجر الزاوية لفهم بنية الأسعار داخل الأسواق، مشيراً إلى أن من الطبيعي أن تعرف الأسعار بعض الزيادات المرتبطة بتكاليف النقل أو المصاريف اللوجستية، غير أن القفزات الكبيرة بين سعر الجملة وسعر البيع بالتقسيط قد تطرح، في بعض الحالات، تساؤلات مشروعة حول طبيعة المسارات التجارية التي يمر عبرها المنتوج قبل وصوله إلى المستهلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *