البحر أنفو – 17/05/2026 في مضيق جبل طارق… “ضوضاء السفن” تُجبر الحيتان على رفع صوتها للبقاء على تواصل
في واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، يتحول مضيق جبل طارق إلى ما يشبه “مدينة صاخبة تحت الماء”، حيث لا صوت يعلو فوق هدير آلاف السفن. وسط هذا الضجيج المستمر، تكشف دراسة علمية حديثة أن الحيتان الطيارة طويلة الزعانف تجد نفسها مضطرة إلى “الصراخ” حتى لا تضيع أصواتها داخل الفوضى الصوتية البحرية.
الدراسة، المنشورة في مجلة Journal of Experimental Biology، تضع الضوء على تأثير غير مرئي لكنه بالغ الخطورة: التلوث الضوضائي البحري، الذي قد يهدد واحدة من أكثر الكائنات اعتماداً على الصوت في حياتها اليومية.

60 ألف سفينة سنوياً… بحر لا يهدأ
يمر عبر مضيق جبل طارق أكثر من 60 ألف سفينة سنوياً، ما يجعله نقطة اختناق بحرية عالمية بامتياز. هذا النشاط المكثف لا يغير فقط حركة الملاحة، بل يعيد تشكيل “المشهد الصوتي” تحت سطح البحر.
في هذا الوسط، تعيش مجموعة صغيرة لا تتجاوز 250 حوتاً طياراً طويل الزعانف، تعتمد بشكل كامل على الصوت للتواصل، التنسيق، وحتى البقاء داخل جماعاتها الاجتماعية المعقدة.
أجهزة على ظهور الحيتان تكشف ما لا يُسمع
بين عامي 2012 و2015، قام فريق بحثي من جامعة آرهوس الدنماركية بتركيب أجهزة تسجيل صوتي على 23 حوتاً في مضيق جبل طارق، في تجربة علمية دقيقة وغير مؤذية.
الأجهزة سجلت:
أصوات الحيتان في بيئتها الطبيعية
مستويات الضوضاء الناتجة عن السفن
أنماط الغوص والحركة تحت الماء
وبعد 24 ساعة فقط، كانت الأجهزة تنفصل تلقائياً لتطفو على السطح، حاملةً معها آلاف البيانات الصوتية.

أكثر من 1400 إشارة… لكن “الصوت لا يكفي”
تحليل البيانات كشف أكثر من 1400 نداء صوتي صنفها العلماء إلى أنواع مختلفة، من التواصل القريب داخل المجموعة إلى النداءات بعيدة المدى أثناء الغوص.
لكن المفاجأة كانت واضحة:
عندما ترتفع الضوضاء البحرية، ترفع الحيتان صوتها… لكن ليس إلى ما لا نهاية.
بعض النداءات الحيوية وصلت أصلاً إلى حدودها القصوى، ما يعني أن الحيتان لم تعد قادرة على رفع صوتها أكثر لمواجهة الضجيج.
عندما يصبح التواصل أصعب من النجاة
المشكلة لا تتعلق بالضجيج فقط، بل بما ينتجه من خلل في التواصل الاجتماعي داخل القطيع:
صعوبة في إعادة التجمع بعد الغوص
ضعف في التنسيق أثناء الحركة
تقليص المسافة الفعالة للتواصل بين الأفراد
والنتيجة: عالم صوتي “منكمش”، قد يجعل الحيتان أكثر عرضة للتشتت والضغط البيئي.

تهديد صامت يتجاوز الضوضاء
الحيتان الطيارة في جبل طارق لا تواجه الضوضاء فقط، بل سلسلة من الضغوط المتراكبة:
حركة ملاحة كثيفة
خطر الاصطدام بالسفن
تغيرات بيئية متسارعة
وتراجع محتمل في الموارد الغذائية
كل ذلك يجعل هذا النوع في وضع هش داخل واحد من أكثر الممرات البحرية نشاطاً في العالم.
حلول مطروحة… لكن الوقت يضغط
الباحثون يدقون ناقوس الخطر، ويؤكدون أن خفض الضوضاء البحرية ممكن عبر إجراءات عملية، أبرزها:
تقليل سرعة السفن في المناطق الحساسة
تطوير تقنيات دفع أكثر هدوءاً
تنظيم حركة الملاحة في نقاط العبور البيئية
لكن السؤال الذي يطرحه العلم اليوم ليس فقط “كيف نخفف الضوضاء؟”، بل: هل يصل ذلك في الوقت المناسب؟
ما تكشفه هذه الدراسة يتجاوز عالم الأحياء البحرية، ليطرح سؤالاً أوسع حول العلاقة بين النشاط البشري والأنظمة البيئية الدقيقة. في مضيق جبل طارق، لا يبدو أن الحيتان تصرخ من فراغ… بل تحاول ببساطة أن تُسمع في عالم أصبح أعلى صوتاً من اللازم.