عاجل
16 مارس 2026 على الساعة 10:47

قصة مريم الأسطرلابي.. حين تقود امرأة عربية مسار الابتكار العلمي..وتسهم في تطوير أداة غيّرت تاريخ الفلك و مهدت الطريق لتقنيات الملاحة الحديثة

البحر أنفو – 16/03/2026 مريم الأسطرلابي.. عالمة من حلب مهدت الطريق من الأسطرلاب إلى أنظمة الملاحة الحديثة متابعة:

في تاريخ العلوم، برزت أسماء كثيرة تركت بصمات خالدة في مسار المعرفة الإنسانية، غير أن بعض هذه الأسماء ظل حبيس الظل رغم إسهاماته الكبيرة. ومن بين تلك الشخصيات العلمية البارزة العالمة مريم الأسطرلابي التي عاشت في القرن العاشر الميلادي في بلاد الشام، والتي أسهمت بشكل مهم في تطوير أداة علمية ستصبح لاحقًا أساسًا لتقدم علم الفلك والملاحة.

نشأت مريم في مدينة حلب خلال العصر العباسي، وهو زمن عُرف بازدهار العلوم والمعارف ورعاية الحكام للعلماء والباحثين. وقد تلقت علومها الأولى على يد والدها، العالم الفلكي كوشيار الجيلي، الذي كان من أبرز علماء الفلك في زمانه. وفي ورش العمل التي ورثتها عن عائلتها، بدأت مريم رحلتها في تطوير الأدوات الفلكية، حيث برعت في الرياضيات وعلم الفلك، وتمكنت من تحسين وتصنيع الأسطرلاب بدقة علمية متقدمة.

كان الأسطرلاب آنذاك من أهم الأدوات العلمية في العالم الإسلامي، إذ استخدمه العلماء لتحديد مواقع النجوم والأجرام السماوية، ومعرفة الوقت بدقة، وتحديد الاتجاهات الجغرافية الأساسية. كما لعب دورًا مهمًا في تحديد اتجاه القبلة بالنسبة للمسلمين، إضافة إلى استخدامه في الملاحة البحرية والبرية.

وقد شكّل تطوير مريم الأسطرلابي لهذه الأداة خطوة علمية متقدمة ساهمت في توسيع آفاق المعرفة الفلكية والجغرافية. فبفضل هذا الجهاز، أصبح بالإمكان رسم خرائط أدق للسماء، وفهم حركة النجوم والكواكب بشكل أفضل، وهو ما ساعد العلماء لاحقًا على تطوير أدوات أكثر تعقيدًا في علم الملاحة.

خلال الفترة ما بين سنتي 332 و365 للهجرة (944 – 976 ميلادية)، حظيت مريم الأسطرلابي برعاية الأمير الحمداني سيف الدولة في حلب، حيث عملت ضمن نخبة من العلماء الذين ازدهرت بهم المدينة آنذاك. وقد اشتهرت بدقتها في صناعة الأسطرلاب وتطويره، حتى أصبح نموذجها مرجعًا للعلماء والباحثين في العالم الإسلامي وخارجه.

ويشير عدد من المؤرخين إلى أن الأسطرلاب الذي طورته مريم الأسطرلابي كان من بين أبرز الابتكارات العلمية في الحضارة العربية الإسلامية. فقد مثّل هذا الجهاز خطوة محورية في تاريخ العلوم، حيث أسهم في تطوير أدوات الملاحة البحرية، كما مهد الطريق لاحقًا لابتكار البوصلة وأجهزة تحديد المواقع الحديثة.

وظل الأسطرلاب لقرون طويلة الأداة الأساسية لدى الفلكيين والرياضيين والبحّارة، قبل أن تتجاوزه لاحقًا أدوات أكثر تطورًا مثل الساعات الميكانيكية ثم التقنيات الحديثة في الملاحة. ومع ذلك، فإن دوره في تاريخ العلم ظل حاسمًا، إذ ساعد البشرية على فهم أفضل للعلاقة بين الإنسان والزمان والمكان.

ورغم هذا الإرث العلمي المهم، لم تحظ مريم الأسطرلابي بالاهتمام الذي تستحقه في كتب التاريخ، حيث ظل ذكرها محدودًا مقارنة بحجم إسهاماتها. غير أن إعادة تسليط الضوء على إنجازاتها اليوم يبرز الدور الكبير الذي لعبته النساء في تطور العلوم، ويعيد الاعتبار لعالمة ساهمت، منذ أكثر من ألف عام، في وضع أسس المعرفة التي مهدت لظهور تقنيات الملاحة الحديثة، وصولًا إلى أنظمة تحديد المواقع العالمية المعروفة اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *