البحر أنفو – 19/03/2026 في مشهد يعكس نضج التجربة التعاونية وتحوّلها من مبادرات بسيطة إلى نموذج اقتصادي منظم وواعد، احتضن ميناء الصيد البحري بطنجة جمعاً عاماً استثنائياً لتعاونية طنجة بيش، شكّل لحظة قوية لإعادة ترتيب الأوراق، وتثبيت المكتسبات، ورسم معالم مرحلة جديدة عنوانها الحكامة، والانفتاح، والتسويق الذكي.
اللقاء لم يكن مجرد محطة تنظيمية عادية، بل حمل في طياته رسائل واضحة حول تحوّل عميق في طريقة اشتغال التعاونية، حيث استُهل بترحيب حار بالأعضاء والضيوف المهنيين، من بينهم ممثلو تعاونيتي جبل طارق وبوابة إفريقيا، في إشارة قوية إلى توجه استراتيجي قائم على الانفتاح وتبادل الخبرات، وبناء جسور التعاون بين مختلف الفاعلين في السلسلة المهنية، من تعاونيات وتجار ومهنيين. وهي الدينامية التي تم التأكيد من خلالها على أن سنة 2026 لن تكون سنة عادية، بل سنة العمل المشترك والتنسيق الفعلي، في أفق خلق منظومة متكاملة قادرة على مواجهة تحديات السوق.

وفي لحظة مصارحة مسؤولة، تم استعراض حصيلة سنتي 2024 و2025، والتي عكست انتقال تعاونية طنجة بيش من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التجريب العملي، من خلال إطلاق مبادرات في التسويق المحلي، والانفتاح على التصدير، واستكشاف آليات تثمين وتسويق المنتجات المجمدة، بتنسيق مع قنوات التسويق التابعة للمكتب الوطني للصيد. ورغم أن هذه المبادرات اتخذت طابعاً تجريبياً، إلا أنها كشفت عن إرادة حقيقية لبناء نموذج تسويقي حديث، يقطع مع الأساليب التقليدية، ويؤسس لرؤية قائمة على القيمة المضافة والتنافسية.
غير أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود، فقد توقف الحاضرون عند مرحلة صعبة طبعتها تداعيات جائحة كورونا، وما رافقها من شلل شبه كلي في الأنشطة، وارتفاع مهول في التكاليف، وضغط مالي كبير على التعاونية وأعضائها. لكن وسط هذه الإكراهات، برزت روح التضامن والصبر، حيث اختار “الإخوان” المضي قدماً رغم كل الصعوبات، وهو ما أثمر اليوم مشروعاً قائماً بذاته، يفرض حضوره كنموذج ناجح على الصعيد الوطني، ويخلق قيمة مضافة حقيقية داخل ميناء طنجة.

وفي إطار تكريس الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تم عرض التقريرين الأدبي والمالي، حيث قُدم التقرير المالي من طرف خبير مختص، في خطوة تعكس رغبة التعاونية في اعتماد معايير احترافية في التدبير المالي. وقد تمت المصادقة على التقريرين بالإجماع، في أجواء يسودها الانخراط والثقة، وهو ما يعكس تماسك البيت الداخلي وقوة الرؤية المشتركة.
اللحظة الأبرز في هذا الجمع العام تمثلت في تجديد الثقة في القيادة، حيث تم انتخاب السيد محمد المودن رئيساً للتعاونية بالإجماع، في رسالة واضحة تعكس تقدير الأعضاء للمسار الذي تم قطعه، ورغبتهم في ضمان الاستمرارية مع ضخ دماء جديدة داخل المكتب المسير، الذي تم تشكيله ليواكب تحديات المرحلة المقبلة بكفاءة واحترافية.

أما المستقبل، فقد كان حاضراً بقوة في هذا اللقاء، من خلال عرض استراتيجية طموحة تمتد إلى سنتي 2026 و2027، ترتكز على إعادة هيكلة عمليات التسويق والتجارة في الأسماك على الصعيد الوطني، وتعزيز الحضور في مجال التصدير، مع التركيز بشكل خاص على تثمين المنتوج البحري وتحويله، باعتباره المدخل الحقيقي لخلق القيمة المضافة وتحسين المردودية الاقتصادية. كما تم التأكيد على ضرورة تطوير الشراكات المهنية، وتوسيع شبكة العلاقات، بما يمكن التعاونية من التموقع كفاعل أساسي داخل المنظومة البحرية.
ولم يغفل هذا الحدث بعده الإنساني، حيث اختُتم بتنظيم إفطار جماعي حضره الأعضاء وأبناؤهم، في أجواء أخوية جسدت عمق الروابط التي تجمع مكونات التعاونية، وأكدت أن النجاح الاقتصادي لا ينفصل عن روح التضامن والانتماء.
بهذا النفس الجديد، تبدو التعاونية اليوم أمام منعطف حاسم، وقد انتقلت من منطق البقاء إلى منطق التأثير، ومن تدبير اليومي إلى التخطيط الاستراتيجي، في أفق ترسيخ نموذج تعاوني حديث، قادر على الصمود، والمنافسة، والمساهمة الفعلية في دينامية الاقتصاد البحري الوطني.
