البحر أنفو – 28/03/2026 في سياق دينامية التعاون المتجدد بين الرباط ومدريد، برز قطاع الصيد البحري كأحد أعمدة الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، ليس فقط باعتباره مجالاً اقتصادياً حيوياً، بل كفضاء لتقاطع رهانات الاستدامة والبحث العلمي والأمن الغذائي في حوضي الأطلسي والمتوسط. فالحكومة الإسبانية، وهي تستعرض مكاسب هذا التعاون، تضع الصيد البحري في صلب مقاربة متقدمة تتجاوز منطق الاستغلال إلى منطق الحكامة المشتركة للموارد البحرية.
وأكدت حكومة بيدرو سانشيز أن مذكرة التفاهم الموقعة مع المغرب في مجال الصيد البحري تندرج ضمن رؤية تقنية وعلمية تهدف إلى تعزيز استدامة الثروات السمكية، عبر تقوية البحث العلمي المشترك وتبادل المعطيات المرتبطة بمناطق الصيد والأنواع المهاجرة والنظم البيئية البحرية، إلى جانب رصد تأثيرات التغيرات المناخية في شمال شرق المحيط الأطلسي وغرب البحر الأبيض المتوسط. ويُنتظر أن يساهم هذا التوجه في دعم اتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة ومنسقة، بما يضمن استغلالاً عقلانياً ومتوازناً للموارد.
وتراهن مدريد، من خلال هذا التعاون، على تحسين آليات المراقبة والتتبع، خاصة في ما يتعلق بمكافحة الصيد غير القانوني وغير المصرح به، الذي يشكل أحد أبرز التحديات في المناطق البحرية المشتركة. وفي هذا الإطار، يشكل التنسيق مع المغرب أداة حاسمة لتعزيز الشفافية وضبط عمليات التفريغ، بما يحد من الممارسات غير المشروعة ويقوي مصداقية سلاسل الإنتاج البحري.
كما يفتح هذا التقارب آفاقاً جديدة أمام تطوير تربية الأحياء المائية، حيث تسعى إسبانيا، باعتبارها من الدول الرائدة أوروبياً في هذا المجال، إلى نقل خبراتها التقنية ونماذجها التدبيرية إلى المغرب، خصوصاً في ما يتعلق بالجينات والتغذية والمراقبة الصحية. ويعزز ذلك موقعها كشريك تقني مفضل في المشاريع المرتبطة بالاستزراع البحري، في مقابل استفادة المغرب من التكنولوجيا والخبرة لتطوير هذا القطاع الواعد.
وشددت الحكومة الإسبانية على أن هذه المذكرة ذات طابع تقني بحت، ولا ترتب أي آثار قانونية مرتبطة بولوج الموارد أو منح حقوق الصيد، إذ تظل هذه الجوانب خاضعة حصرياً لإطار الاتحاد الأوروبي. بل إن الهدف المركزي منها يتمثل في ترسيخ أسس التعاون العلمي والإداري، بما يدعم استدامة النظم البيئية البحرية ويعزز حكامة القطاع.
وفي المحصلة، يعكس التركيز الإسباني على الصيد البحري ضمن هذه الشراكة تحولاً نوعياً في مقاربة التعاون مع المغرب، من مجرد تنسيق ظرفي إلى شراكة مبنية على تقاسم المعرفة وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، في مقدمتها الحفاظ على الثروات البحرية وضمان استدامتها للأجيال القادمة، في ظل سياق دولي يتسم بتزايد الضغط على الموارد الطبيعية وتنامي رهانات الأمن الغذائي.