البحر أنفو – 25/04/2026 المغرب يرسّخ سيادته اللوجستية: من موانئ العبور إلى موانئ الجذب العالمي متابعة:
في زمن تتسارع فيه خرائط التجارة الدولية، لم يعد امتلاك الموانئ امتيازاً جغرافياً فحسب، بل صار رهانا سيادياً يحدد موقع الدول داخل سلاسل القيمة العالمية. في هذا السياق، يخطو المغرب بثبات نحو إعادة تعريف دوره البحري، من بلد يواكب التدفقات إلى منصة تستقطبها وتعيد توجيهها، عبر ورش وطني طموح لتحديث منظومته المينائية.
الأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية لا تترك مجالاً للشك: فقد ارتفع حجم الرواج التجاري بالموانئ المغربية إلى 262,6 مليون طن سنة 2025، مقابل 192,1 مليون طن سنة 2021، بنمو يفوق 37 في المائة. هذا التطور لا يعكس فقط تحسناً في الأداء، بل يكشف عن تحول بنيوي عميق في فلسفة تدبير البنيات التحتية البحرية.
التحول الأبرز يتجلى في الانتقال من منطق الاستجابة للطلب الداخلي إلى استراتيجية هجومية تستهدف استقطاب التدفقات العالمية. فبطاقة استيعابية تبلغ حالياً حوالي 390 مليون طن سنوياً، يطمح المغرب إلى بلوغ سقف 470 مليون طن في أفق 2030، واضعاً نفسه ضمن نادي المنصات اللوجستية الكبرى على الصعيد الدولي.
ولتحقيق هذا الطموح، انخرطت المملكة في إطلاق مشاريع مينائية مهيكلة تعيد رسم خريطتها الساحلية. ميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، وميناء المهيريز، ليست مجرد أوراش بنية تحتية، بل أدوات جيو-اقتصادية لتعزيز الحضور المغربي على واجهتي المتوسط والأطلسي، وربط العمق الإفريقي بالأسواق الأوروبية والأمريكية.
بالتوازي مع ذلك، تعرف موانئ استراتيجية مثل طنجة المتوسط، والدار البيضاء، والجرف الأصفر، عمليات توسعة وتحديث متواصلة، تهدف إلى رفع قدرتها التنافسية وتحسين جودة خدماتها. كما يشمل هذا الورش إعادة تأهيل موانئ القرب، بما يضمن عدالة مجالية في الولوج إلى الخدمات البحرية، ويدعم دينامية الاقتصاد المحلي.
غير أن الرهان المغربي لا يتوقف عند البنية الصلبة، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تجعل من الميناء فضاءً اقتصادياً حياً. فتعزيز الاندماج بين الموانئ والنسيج الحضري، خاصة في مدن كطنجة والدار البيضاء والحسيمة، يعكس توجهاً نحو خلق أقطاب تنموية متعددة الوظائف، حيث تتقاطع اللوجستيك بالصناعة والخدمات.
وفي عمق هذا التحول، يبرز قطاع بناء وإصلاح السفن كأحد الأعمدة الواعدة، بما يحمله من إمكانات لخلق فرص شغل نوعية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز السيادة الصناعية البحرية.
أما على مستوى الرهانات المستقبلية، فيسعى المغرب إلى التموقع ضمن الجيل الجديد من الموانئ الذكية والخضراء. رقمنة العمليات المينائية، وتقليص البصمة الكربونية، والانخراط في سلاسل الطاقة النظيفة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، تشكل محاور استراتيجية لضمان استدامة التنافسية في سوق عالمي يتجه بسرعة نحو اقتصاد منخفض الكربون.
بهذا النفس الإصلاحي، لا يبني المغرب موانئ فقط، بل يعيد تشكيل علاقته بالبحر، ويحوّله من حدود جغرافية إلى رافعة سيادية، ومن مجال عبور إلى فضاء نفوذ اقتصادي. إنها قصة بلد اختار أن يجعل من موانئه بوابات نحو المستقبل، لا مجرد نقاط وصول.